بقلم ألفة بعزاوي
مع قرب انطلاق السنة الدراسية 2026/2027، تبدو المدرسة التونسية أمام مفارقة صارخة بين مشاكل جوهرية تراكمت على مدى سنوات وبين حديث عن إصلاح تربوي مزعوم يمتدّ إلى سنة 2030 بدأ ينكشف عراه من خلال الإجراءات والتوصيات السطحية التي أعلن عنها وزير التربية نورالدين النوري في منشوره الصادر يوم 8 سبتمبر الجاري بالإضافة إلى طريقة تعيين المجلس الأعلى للتربية. وقد سارعت نقابات أسلاك التربية إلى إصدار البيانات وعقد الهيئات الإدارية وتنظيم وقفات احتجاجية بالعديد من المندوبيات الجهوية يومي 10 و11 سبتمبر بما يؤشر إلى حالة من الاحتقان في صفوف المربين وكل أعوان التربية وينذر بتصاعد التحركات والاحتجاجات خلال السنة الدراسية القادمة.
إصلاح تربوي أم إدارة أحادية الجانب للأزمة؟
يمكن حوصلة الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية للسنة الدراسية الحالية في الرقمنة وإعادة التنظيم والتوزيع البيداغوجي. وهي على العموم إجراءات لا تمس جوهر أزمة المدرسة العمومية بل تكتفي بإعادة تنظيم طريقة اشتغال منظومة تعاني أصلا من نقص مزمن في الموارد والتأطير والبنية الأساسية… فقبل الحديث عن المدرسة الرقمية ومدرسة المستقبل وغيرها من العناوين الرنانة، هناك سؤال أكثر بساطة وإلحاحا: هل تتوفر اليوم لكل تلميذ ومدرّس شروط التعليم اللائق؟
فأي معنى للإصلاح التربوي في مؤسسات تعاني من بنية أساسية مهترئة، من ذلك نقص عدد القاعات والقاعات الآيلة للسقوط والدراسة في حاويات عوض قاعة لائقة ومدارس دون سور وغيرها؟ وما معنى مدرسة المستقبل في مؤسسات تفتقر إلى التجهيزات بل أحيانا إلى الماء؟ وكيف يمكن الحديث عن جودة التعليم والعديد من المؤسسات تبدأ السنة وهي تعاني من نقص في الموارد البشرية والتجهيزات؟
رغم أن وزير التربية قد أعلن عن دخول مؤسسات تربوية جديدة حيز الاستغلال وعن إحداث عدد من قاعات التدريس إلى جانب عمليات تدخل لصيانة المؤسسات، فان الأرقام المعلنة – حتى وإن افترضنا صحتها – فهي تبقى دون حجم الحاجيات المتراكمة في قطاع التربية وهو ما يدل أن الدولة لا تتحرك بالسرعة المطلوبة لمعالجة أزمة عميقة تراكمت لسنوات وتكتفي بالمعالجة الجزئية لبعض مظاهرها ونتائجها.
من جهة ثانية، إن المورد البشري ليس تفصيلا في الإصلاح التربوي بل يمكن القول إنه شرطه الأول. فلا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا انطلقت السنة الدراسية بمؤسسات تعاني من شغورات وإذا بقيت بعض الأقسام دون مدرسين لفترة طويلة، ولا يمكن أن يكون مقبولا أن تظل مادة دون أستاذ لفترة ما ثم نطلب من التلميذ تحقيق نفس النتائج التي يحققها تلميذ آخر تتوفر له كل شروط الدراسة. إن الوزارة في حديثها عن تحسين الأداء والجودة عليها أن تجيب أولا عن سؤال بسيط: هل لكل تلميذ مدرسة ولكل مادة مدرّسها منذ اليوم الأول للسنة الدراسية؟ فالإجراءات التي لا تضمن ذلك لا ترتقي أصلا لأبسط شروط الإصلاح.
ومع أن الوزير أعلن عن انتدابات جديدة وانطلاق السنة الدراسية دون شغورات فإن الطرف النقابي يرى أنه لم يتم تسديد الشغورات الفعلية بل إن الانتدابات لن تغطي سوى جزء من الشغورات في حين تقع مواجهة الجزء الآخر عن طريق ضم الأقسام والاكتظاظ بالإضافة إلى ساعات العمل الإضافية… وهو ما يؤثر بشكل كبير في ظروف التدريس بالنسبة للتلميذ والمربي على حد السواء.
وهنا نجد مفارقة كبرى بين مربين زائدين عن النصاب وساعات عمل إضافية في نفس المؤسسة. فبعض المدرسين لم يجدوا حجما ساعيّا كافيا في مؤسساتهم وفي نفس الوقت تسند نفس المؤسسة وفي نفس الاختصاص ساعات إضافية إلى مدرس آخر. وهو ما يضرب مبدأ العدالة في توزيع العمل من خلال سوء التصرف في الموارد البشرية والذي ينطلق من فلسفة الإدارة التي تتعامل مع المربي كمجرد رقم في جدول، خاصة وأن عددا كبيرا من هؤلاء تم نقلهم خارج مراكز العمل في جلسات نقل أحادية الجانب بعد حرمان الموظفين من حقهم في حضور ممثلهم النقابي في هذه الجلسات.
هذه النقطة تحيلنا أيضا إلى ملف الحجم الساعي والمكاسب المرتبطة بالأقدمية حيث راكم العاملون في قطاع التربية عبر عقود جملة من المكاسب التي يرتبط بعضها بسنوات العمل وبطبيعة المهنة ومن بينها تخفيض الحجم السّاعي للمدرس بعد سنوات طويلة من العمل (بعد 20 سنة وبعد 25 سنة) وهو ما تعتبره الهياكل النقابية جزءا من الاعتراف بالكلفة المهنية المتراكمة. ولذلك فان التراجع العملي عن هذه المكاسب أو جعل تطبيقها أكثر صعوبة عبر إعادة تنظيم العمل لا يمكن اختزاله في مجرد “تنظيم بيداغوجي”. وفي نفس السياق يأتي الجدل الذي دار حول توزيع ساعات بعض مستويات التعليم الأساسي على أيام الأسبوع بما يجعل تمتع معلمي الدرجة الأولى بأيام الراحة التي كانوا يتمتعون بها سابقا مستحيلا عمليا. كما يحيلنا الحديث عن ضرب مكاسب قطاعات التربية إلى الترقيات المهنية والمفعول المالي المترتب عنها. إن الترقية ليست منحة تمنحها الإدارة متى شاءت وإنما هي جزء من المسار المهني للعون. وعندما تتأخر الترقية ثم يتأخر معها المفعول المالي فيتحمل الموظف كلفة مالية حقيقية لسنوات. لذلك فان تنفيذ الاتفاقات واحترام آجال الترقيات ليس مطلبا ثانويا بل جزء من احترام الدولة لتعهداتها تجاه أعوانها بما من شأنه تحسين ظروف التدريس بالنسبة للمربين.
الأمر نفسه بالنسبة لمنحة الريف إذ تعترض الهياكل النقابية على عدم صرف مستحقات سنتين على التوالي وعلى تغيير معايير الإسناد بما سيحرم بعض المؤسسات والمدرسين من الانتفاع بها. فإذا كانت الدولة تريد مدرسين مستقرين في المناطق الريفية والمنعزلة فإنها تحتاج إلى حوافز تساعد على ذلك، على اعتبار أن المدرس الذي يعمل في ظروف نقل وإقامة وتجهيز أصعب يحتاج إلى سياسة إنصاف مجالية لا إلى إجراءات تتجاهل اختلاف ظروف العمل.
أما الزيادة في الأجور فلا ينبغي فصلها عن بقية المنظومة. فقدرة المدرس على أداء عمله مرتبطة أيضا بقدرته على مواجهة تكاليف الحياة والتنقل والمواد التعليمية وغيرها. كما يجب التمييز بين الزيادات العامة في الوظيفة العمومية وبين تنفيذ الاتفاقيات القطاعية الخاصة بأسلاك التربية.
بعد الحديث عن البنية الأساسية والموارد البشرية وضمان كرامة المربين كمدخل أساسي لأي عملية إصلاح حقيقي، ننتقل إلى حاجة المدرسة التونسية إلى مراجعة عميقة للبرامج والمواد والمناهج وطرق التقييم وإلى إعادة التفكير في علاقة المدرسة بالمعرفة والعلوم والتكنولوجيا، وفي كيفية الانتقال من تعليم يقوم بدرجة كبيرة على الحفظ والاستظهار إلى تعليم ينمي الفهم والتحليل وحل المشكلات والتفكير النقدي… وهو ما يتطلب مسار تشاركي واسع يضم كل الفاعلين لكننا نسأل هنا:
أين المدرس من صياغة البرامج؟ وأين المتفقد البيداغوجي؟ وأين الجامعة والباحثون في علوم التربية؟ وأين الخبراء؟ وأين الأولياء والتلاميذ؟ إن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى تشريك كل من يعيش المدرسة ويدرسها ويبحث فيها ويعمل داخلها، لا إلى مشروع إداري مركزي أحادي الجانب.
تقشف تحت غطاء الإصلاح: مزيد ضرب وإنهاك منظومة التعليم العمومي
تبلغ ميزانية وزارة التربية لسنة 2026 حوالي 8.7 مليار دينار، بزيادة تقارب 8.16% عن السنة السابقة. لكن رغم الارتفاع الظاهري لهذه الميزانية الاسمية فان السؤال الحقيقي هو كيف توزع هذه الميزانية؟ إن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى كتلة الأجور (أكثر من 87%) بينما تتراكم حاجيات البنية الأساسية والتجهيز والتكوين والتأطير والإصلاح البيداغوجي. ورغم أن التقشف لم يظهر في عبارة رسمية أو في توجه معلن بشكل صريح، إلا أن خفض الإنفاق وطريقة إدارة الأزمة بالإجراءات التي ذكرناها سالفا من قبيل الشغورات التي لا تسد في الوقت المناسب والصيانة المؤجلة والموارد البشرية المستنزفة وساعات العمل الإضافية وتأخير المستحقات المالية للمدرسين والإداريين وغيرها ليست سوى إجراءات تقشفية تحاول جعل المدرسة العمومية تؤدي وظائف أكثر بموارد أقل. وعندما تتراجع جودة المدرسة العمومية تكون النتيجة الموضوعية المباشرة هي دعم التعليم الخاص حتى دون أن تعلن الدولة عن هذا التوجه بشكل صريح.
إن وزارة التربية ومن خلفها منظومة الحكم الشعبوية تواصل وبالملموس نفس خيارات المنظومات السابقة من ضرب للمدرسة العمومية لصالح التعليم الخاص وبالتالي ضرب الحق الاجتماعي في تعليم جيّد ولائق وتحويل هذا الأخير إلى امتياز تحدده الفوارق الطبقية. وإن ضرب العمل النقابي والجمعوي والسياسي الذي انطلق فيه قيس سعيد منذ انقلابه ليس سوى خطوة لتمهيد الطريق للاستفراد بالفئات الشعبية والفقيرة وفرض الخيارات اللاشعبية واللاوطنية لهذه المنظومة بالقوة والقمع وهو ما يريده هذا النظام الفاشستي دون معارضة ودون أدوات مقاومة حقيقية بيد الجماهير.
لا مفر من الوحدة والنضال ضد المنظومة الشعبوية وخياراتها اللاشعبية واللاوطنية
في هذا السياق تفهم أن بداية التحركات النقابية لأسلاك التربية ليست حدثا عرضيا بل هي نتيجة طبيعية لتراكم مشاكل لم تجد حلولا نهائية ولن تجدها في ظل خيارات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا شعبية لمنظومة ما انفكت تراكم الأزمات والفشل. كل هذه المؤشرات تقود إلى توقع سنة دراسية ساخنة.
ومن الضروري إلى جانب الوحدة النضالية لكافة قطاعات وأسلاك التربية، أن تلتحق الفئات المفقرة بهذه المعركة على اعتبار أن الدفاع على المدرسة العمومية ليس دفاعا عن امتيازات فئوية بل هو دفاع عن حق التلميذ وكرامة المدرس ومبدأ تكافؤ الفرص وفي كلمة عن العدالة الاجتماعية. ومن الضروري العمل على تحويل أزمة المدرسة العمومية إلى أزمة اجتماعية تستهدف هذه المنظومة الفاشستية بخياراتها المتوحشة من خلال توعية الجماهير بأنه لا مصلحة لها سوى في تغيير حقيقي على أنقاض هذه المنظومة التي لا تصلح ولا تصلح.
صوت الشعب صوت الحقيقة
