بقلم جيهان اللواتي
لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة نقدية أن المشهد السياسي والاجتماعي في تونس يمر بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة يتحول فيه مسار الانتقال الديمقراطي الموعود إلى مختبر متكامل لهندسة الاستبداد وفي قلب هذه المقتلة الديمقراطية تقف الصحافة الحرة والسلطة الرابعة عموماً كهدف مركزي لعملية تجريف ممنهجة تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي التونسي على مقاس الصوت الواحد والخطاب الأحادي.
إن تفكيك بنية الأزمة الحالية للإعلام في تونس لا يمكن أن يتم عبر قراءة سطحية ترتكن إلى كونها مجرد “أزمات عابرة” أو “إكراهات اقتصادية” طارئة بل هي بامتياز استراتيجية متكاملة الأركان لتطويع المجال العام وإلغاء مساحات المساءلة وتفكيك أسس الديمقراطية التي تحمي المجتمع من تغول السلطة التنفيذية إننا أمام عملية تفكيك قصدي لجوهر الجمهورية حيث يتحول الصحفيون من حراس للحقيقة إلى متهمين تحت عناوين قانونية مختلفة وتتحول النصوص التشريعية إلى مقاصل تسلط على رقاب الأفكار والكلمات.
تواصل سجن الصحفيين وهرسلة عائلاتهم… تونس في درك الاستبداد
إن التطور الطبيعي لهذا المسار القمعي كان حتمياً إرسال الصحفيين إلى السجون وتوسيع دائرة الاعتقالات والإيقافات فلم تعد التضيقات تقتصر على المنع أو الطرد أو الهرسلة الإدارية بل تصاعدت لتصل إلى حدود تجريم الفعل الصحفي الأصيل واعتبار البحث عن الحقيقة ونشرها مهدداً للأمن القومي إن مشاهد محاكمة الصحفيين وتمديد الاحتفاظ بهم رغم ظروفهم الصحية الحرجة واخرهم الزميل محمد اليوسفي ومراد الزغيدي وزياد الهاني وعنونة التهم بالطابع المالي أو الجنائي الفضفاض لضرب مصداقيتهم تؤكد أن السلطة قد اختارت الحل الأمني الصرف لإدارة العلاقة مع الصحفيين ليصل التنكيل أيضا للعائلات.
فالحق في الزيارة العائلية والمباشرة للمحتجزين يمثل ركناً أساسياً من أركان العدالة الإنسانية والمعايير الكونية لحقوق الإنسان بوصفها صلة الوصل الأخيرة التي تحمي النفس البشرية من التآكل داخل السجون غير أن الواقع الراهن للصحفيين المحتجزين محمد اليوسفي ومراد الزغيدي وزياد الهاني يعكس منحى مغايراً يتجاوز مجرد سلب الحرية الفردية إلى سياسة ممنهجة من التنكيل المادي والنفسي تمتد شباكها لتطال العائلات عبر التضييق المنهجي على حقهم في التواصل المباشر وآخرها حق زوجة الزميل محمد اليوسفي وأبنائه من زيارة مباشرة وحق عائلة الزميل مراد الزغيدي في زيارة مباشرة رغم تحصلهم على الترخيص وكذلك حق عائلة الزميل زياد الهاني من زيارته المباشرة.
تشريعات الاستثناء وتجريم القول.. “المرسوم 54” نموذجاً
تمثل الترسانة القانونية الاستثنائية وعلى رأسها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال الحجر الأساس في بنيان الهدم الحقوقي وتحت غطاء فضفاض يُعنى بحماية الأمن القومي ومكافحة الشائعات تحول هذا المرسوم وخاصة فصله الرابع والعشرين إلى سيف مسلط على رقاب الصحفيين وأصحاب الرأي.
إن الخطورة الكبرى لهذا المرسوم لا تكمن فقط في قسوة عقوباته السالبة للحرية بل في طبيعته “الزئبقية” التي تتيح للسلطة تكييف أي نقد سياسي أو تحقيق استقصائي أو حتى تدوينة تحليلية عادية لتصبح “جريمة سيبرانية” أو “نشر أخبار زائفة” تهدف إلى المساس بأمن الدولة. لقد ألغى هذا المرسوم فعلياً الفاصل الحدودي بين حق المعارضة وجريمة الخيانة وجعل من الوظيفة القضائية أداة طيعة لإنفاذ سياسة تكميم الأفواه وإرساء مناخ من الرقابة الذاتية المرعبة التي تقبر التعبير الصحفي الحر في مهده ومع تواتر الإحالات والمحاكمات وإصدار الأحكام القاسية ضد الصحفيين يتبين جلياً أن الهدف ليس تطبيق القانون بل إشاعة حالة من الرهبة التعميمية التي تفكك التضامن المهني وتغتال روح الصحافة الحرة.
تغييب الهيئات التعديلية.. اغتيال الضمانات الديمقراطية
لا تنفصل سياسة الإخضاع عن التدمير المنهجي للبنيان المؤسساتي الذي تركه المسار الديمقراطي لضمان استقلالية المشهد الإعلامي ويبرز هنا بشكل فاقع استهداف وتغييب الهيئات التعديلية والتنظيمية المستقلة وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا).
لقد مثلت “الهايكا” طيلة سنوات الانتقال الديمقراطي درعاً نسبياً حامياً لتعددية المشهد السمعي البصري ومحاولة جادة لفصل الإعلام عن الهيمنة المباشرة للسلطة التنفيذية غير أن التعمد الممنهج لتغييب دورها وتهميش صلاحياتها وتعطيل مسار استكمال تركيز المحكمة الدستورية أسس لفراغ مؤسساتي قاتل هذا الفراغ لم يُترك هكذا بل جرى ملؤه بشكل تعسفي عبر إخضاع المؤسسات الإعلامية لمنطق التعليمات الفوقية والولاء المطلق. إن غياب هيئة تعديلية مستقلة يعني بوضوح دخول الإعلام في منطقة تصبح الإدارة خاضعة لمزاجية الإدارات المعينة بالولاء لا بالكفاءة وحيث يفقد المجتمع أي أداة موضوعية للتحكيم أو لضمان حق النفاذ إلى معلومة نزيهة وغير مسرّبة وفق أجندات السلطة.
تدجين الإعلام العمومي.. من خدمة الجمهور إلى بوق الدعاية
إذا كان قطاع الإعلام يعاني من عدة أزمات فإن الإعلام العمومي قد تعرض لعملية “تدجين” قسري وممنهج نقلته بوحشية من مربّع “مرفق خدمة الجمهور” إلى مربع “بوق الدعاية الأحادية” رغم وجود نفس مقاوم داخل مؤسسات الإعلام العمومي.
لقد تم إفراغ المؤسسات الإعلامية العمومية من مضمونها التحريري التعددي عبر ملاحقة الأصوات الحرة داخلهما وتهميش الكفاءات الصحفية المستقلة وفرض خط تحريري واحد يعيد إنتاج سردية السلطة المطلقة بحذافيرها، إذ تحولت الشاشات والميكروفونات العمومية المُمولة من عرق دافعي الضرائب التونسيين إلى منصات لتمرير الخطاب الرسمي وحجب الرأي المخالف وتغييب التنوع السياسي والاجتماعي والعمق التحليلي النقدى هذا التجريف الميداني يمثل اعتداءً صارخاً على حق المواطن التونسي في الإعلام المتوازن ويكرس ثقافة “الصوت الواحد” التي تتنافى كلياً مع أبسط بديهيات النظام الجمهوري الديمقراطي.
إغراق الإعلام الخاص في الأزمات الاقتصادية.. واستراتيجية التركيع المالي
لا يقتصر الحصار المفروض على الصحافة الحرة في تونس على الآليات الزجرية والقضائية فحسب بل يمتد بذكاء خبيث إلى البنية الاقتصادية والمالية للقطاع. فالإعلام الخاص والمستقل يعاني اليوم من خانق مالي غير مسبوق وُظّف ببراعة لإركاع المؤسسات الناقدة وتوجيهها نحو حافة الإفلاس أو الاستسلام المالي يتجسد هذا الحصار في عدة مستويات مترابطة:
التحكم في الإشهار العمومي: حيث تحول الإعلان الحكومي والمؤسساتي إلى “جزرة” تُمنح للموالين و”عصا” تُحرم منها المؤسسات المستقلة والناقدة مما يشكل عقوبة مالية مقنعة لخطها التحريري.
ارتفاع كلفة الإنتاج والتجهيز: في ظل أزمة اقتصادية عامة وانهيار لقيمة العملة وارتفاع أسعار الورق والمعدات التقنية.
الإنهاك الضريبي والقانوني: عبر تكثيف التتبعات الجبائية المسلطة على المؤسسات الإعلامية المشاكسة لدفعها نحو المساومة على استقلاليتها التحريرية مقابل البقاء المالي.
هذا الإغراق الممنهج يجعل المؤسسة الإعلامية الخاصة رهينة لدوائر المال أو خاضعة للخطوط الحمراء التي ترسمها السلطة لتفقد الصحافة الاستقصائية والجرأة التحليلية مقومات بقائها المادي قبل المعنوي.
حين تتنفس الصحافة دخان الاستبداد
التراجع الحقوقي المروع انعكس بانتظام على مكانة تونس في التقارير والمؤشرات الدولية لحرية الصحافة فبعد أن كانت تونس تتصدر لسنوات قليلة خلت المشهد العربي وتتبوأ مراتب متقدمة عالمياً هوت تدريجياً لتتذيل الترتيب العالمي في مراكز متأخرة جداً وفق أحدث التقارير والمنصات الحقوقية الدولية. هذا السقوط المدوّي في التصنيفات العالمية ليس مجرد أرقام صماء بل هو مرآة عاكسة لحجم التجريف الذي لحق بالبنيان الديمقراطي وإدانة ساطعة لسياسات تدمير المكاسب الحقوقية التي دفع الشعب التونسي أثمانها باهظة.
إن ما تشهده الصحافة التونسية اليوم ليس سوى انعكاس لأزمة أعمق تمر بها تونس أزمة تتنازع فيها سجايا التسلط الفردي وتجريف الفضاء العام مع إرث نضالي تاريخي لشعب ضحى من أجل الحرية والكرامة. إن تدجين الإعلام العمومي وإغراق الخاص في الأزمات وتغييب الهيئات التعديلية وسجن الصحفيين بالاستناد إلى قوانين استثنائية كالمرسوم 54 ومجلة الاتصالات… كلها شواهد على محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لكن التاريخ الإنساني والتاريخ التونسي بوجه خاص يعلمنا بدرس لا يُخطئ الكلمة الحرة كالنهر الجاري مهما سُدت مجاريه لا بد أن تكسر السدود ذات يوم لتفيض عاتية حاملة معها أوهام الشعبوية وقوالب الاستبداد إن إنقاذ الصحافة في تونس اليوم لم يعد مجرد مطلب فئوي خاص بالصحفيين بل هو معركة وجود وطنية وديمقراطية تخص كل مواطن تونسي مؤمن بحق العيش في دولة القانون والمؤسسات والشفافية والمساءلة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
