الرئيسية / صوت الوطن / قراءة في بيان
قراءة في بيان

قراءة في بيان

بقلم جيلاني الهمامي

أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين يوم 3 سبتمبر الجاري بيانا مشتركا بعنوان تونس أولا والشعب فوق كل اعتبارجاء ليتوّج سلسلة من اللقاءات جمعت قادة هذه المنظمات في المدة الفائتة. وقد لاقى هذا البيان في الأوساط السياسية وأوساط المجتمع المدني استحسانا ورأى فيه البعض نقلة جديدة في مواقف المنظمات الممضية ومنعرجا هاما في الحياة السياسية بشكل عام.

إن التقاء هذه المنظمات الثلاث، والتي قد يلتحق بها قريبا حسب ما يروج منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حول ذلك المحتوى المعلن عنه، والذي سنعود إليه في مكان آخر من هذا المقال، يعني، نظريا على الأقل، تشكيل قطب اجتماعي وازن يضم العمال والمحامين ونسبة هامة من الحقوقيين والنشطاء من النخبة المهتمة بقضايا الحقوق والحريات على أرضية أقل ما يقال فيها معارضة للسلطة. ويمثل إصدار هذت البيان في هذا الظرف بالذات إعلانا رسميا على انطلاق مسار جديد من المعارضةالاجتماعية الحقوقية مازال من السابق لأوانه الحكم على حظوظه في تعديل موازين القوى مع سلطة شعبوية تعطي الانطباع بأنها أحكمت قبضتها على مجمل عناصر المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد. ولكن انطلاق هذا المسار في منطلق موسم سياسي جديد ليس ككل المواسم السابقة يعد في حدّ ذاته تحدي له أكثر من دلالة.

من حيث التوقيت

تميزت هذه الصائفة مقارنة بالتي سبقتها بحركية اجتماعية هامة مست أكثر من مكان وقطاع. وكانت عمليات قطع الكهرباء والماء الدافع الرئيسي للاحتجاجات التي هزت أمكان كثيرة من البلاد. وإلى جانب ذلك عادت الحركة الإضرابية المنظمة تحت غطاء الاتحاد العام التونسي للشغل (إضراب عمال نقل المحرقات وإضراب المناجم الخ…) لتظفي على المشهد الاجتماعي طابعا متوترا. في مثل هذه الأجواء انتقل المزاج العام من مجرد الاستياء والتذمر إلى حالة من الغضب ألهبت النقاشات والجدل حول مشروعية حكم قيس سعيد ومصداقية خطبه وشعاراته. وفي وقت قياسي قفز موضوع التخلص منه والتفكير في مرحلة ما بعد قيس إلى صدارة الاهتمامات لا فقط في صفوف النخبة المسيسة وإنما في أوساط شعبية واسعة.

في مثل هذا المناخ ارتفعت حرارة العلاقات بين المنظمات الثلاث المذكورة التي تبادلت الزيارات بنسق متواتر خلال الأسابيع الأخيرة. ولا شك أن هذا التقارب حتمته الظروف الصعبة التي يعيشها كل طرف منهم. وربما لو لا هذه الأوضاع الصعبة لما سعى كل منهم إلى إعادة الروح إلى عمل مشترك بينهم افتقدته الساحة منذ سنوات. فكل منهم مستهدف من قبل السلطة وإن كان بشكل مختلف. فالاتحاد مستهدف بالتهميش والإقصاء والتضييق بغاية تفكيكه تدريجيا ودفعه إلى الانحلال والاندثار. ورابطة حقوق الإنسان تعيش تحت قرار التجميد المؤقت الذي يستمر إلى أن يصدر حكم نهائي في ذلك. أما المحامون فإنهم يعانون من شتى أصناف التضييق على عملهم وعلى منظومة القضاء. ولهذه الأسباب هناك دوافع موضوعية لتوحيد الجهود من أجل مواجهة هذه الأوضاع الماضية باتجاه مزيد التفاقم.

لقد فرضت الضرورة هذا الالتقاء بين المنظمات الثلاث والذي قد يلتحق به أطراف أخرى.

خطوة في انتظار..

تؤشر هذه البادرة على إمكانية نشوء مسار جديد في الحياة السياسية. لكن المرور إلى تحقيقه على أرض الواقع سيظل مرهونا بعديد العوامل منها أولا جذب المزيد من القوى المدنية والسياسية إلى هذه المبادرة وتطوير دينامية سياسية حقيقية على الساحة على معنى تشكيل كتلة تاريخيةتحتاجها المرحلة. غير أن تصريحات بعض القيادات النقابية (تصريح الجلولي عضو المكتب التنفيذي مثلا) توحي انطلاقا من الفيتو المرفوع في وجه الأحزاب السياسية بأن تشكيل الكتلة التاريخيةأمر غير وارد لأنّ العقل السياسي في منظمات المجتمع المدني مازالت واقعة تحت تأثير الخوف من الأحزاب ومتمسكة باستدامة الفصل بين المنظمات والجمعيات من جهة والأحزاب السياسية من جهة أخرى. وهو ما يتناقض مع ما جاء في البيان حول انفتاح التجربة لـكل القوى الحية والديمقراطيةوالفاعلين الوطنيين، للدفع نحو أفق وطني جديديقوم على الحوار والتشاركية.

لكن وبصرف النظر عن ذلك فإن ما جاء في البيان المشترك للمنظمات الثلاث يعكس بوضوح قراءة موحدة لخصائص الوضع في مستوى تردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية وفشل خيارات الحكم في هذا المجال وفي مستوى حالة الانغلاق السياسي وغياب الحريات العامة والفردية والـ تضييق على العمل السياسي والنقابي والمدنيوالمساس بـاستقلالية القضاءوفي مستوى تفاقم الوضع في الصائفة نتيجة انقطاعات الكهرباء والماء وعدد من البضائع والخدمات العمومية.

وانطلاقا من هذا التشخيص دعت الهيئات الثلاث إلى ضرورة تغيير الخيارات العامة التي أدت بالبلاد إلى أوضاعها الراهنة ورفعت جملة من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعلى أهميتها فإن هذه المطالب في ظل الاستبداد في نسخته الشعبوية وبالخصائص التي أضفاها عليها قيس سعيد، لن يكتب لها ان ترى النور. الأكيد أن الأمر يتطلب صيغا أخرى غير المطالبةلاقتلاع هذه المطالب تحت الضغط ورغم أنف سلطة قيس سعيد. والمأمول هو أن يتلو بيان يوم 3 سبتمبر الماضي برنامج نضالي وخطة عمل تحول الاتفاق الحاصل من مجرد موقف سياسي إلى حركة وعمل في الميدان.

إلى الأعلى
×