بقلم عماد المناعي
تعددت المفاوضات والمؤتمرات والاتفاقات المحلية والإقليمية والدولية من أجل توحيد ليبيا وباءت كلها بالفشل الذريع بل أجهضت، فكان مآلها أن ولدت ميتة وذلك لعدة اعتبارات داخلية وخارجية مترابطة ومتشابكة يجيبنا عنها الواقع الليبي المعيش بكل صراحة ووضوح، على خلاف الوهم الكبير الذي يروج له منذ سنه 2011، والعالم يردد نفس الشعار “الحل في ليبيا سياسي”. فعقدت من أجله الأمم المتحدة أكثر من 12 مؤتمرا من الصخيرات إلى برلين إلى جنيف وشكلت العديد من الحكومات لكن النتيجة أن أصبحت ليبيا أكثر انقساما مما كانت عليه يوم سقوط معمر القذافي. لذلك فإن سؤال “لماذا فشل توحيد ليبيا؟” يخفي في الحقيقة سؤالا أعمق: “هل كانت ليبيا موحدة أصلاً؟”
ليبيا دولة لم تكتمل أصلاً، فما بناه القذافي طيلة 42 سنة لم تكن دولة مؤسسات بالمفهوم الحديث بل نظام ولاءات شخصية وقبلية وأمنية، وعندما سقط الرأس سنة 2011 لم تسقط حكومة بل سقط الهيكل كله وتبخرت الدولة. وما نراه اليوم ليس انقسام دولة بل عودة ليبيا إلى أصلها الجغرافي والتاريخي في ثلاثة أقاليم متنافرة جمعها الاستعمار الإيطالي بالقوة سنة 1934 لنهب خيراتها.
إن توحيد ليبيا يصطدم بمنظومة عقد استراتيجية متشابكة ومتداخلة وكل عقدة تحمي وتغذي الأخرى ما يجعل الحل المستورد مستحيلا. فكيف لدولة غنية تنتج نصف مليار برميل من النفط مثل ليبيا تبقى عاجزة عن دفع المرتبات وتعيش أزمة تكرار انقطاع الكهرباء وما يخلفه من انعكاسات سلبية على باقي القطاعات مما دفع بأهالي المناطق المتضررة إلى الاحتجاجات. ومن أهم تلك العقد التي تقف جدار صد أمام أية محاولة لتوحيد ليبيا والتوجه نحو البناء والتنمية والتقدم:
العقدة الأمنية
إن الاقتصاد الليبي يرتكز بالأساس على “اقتصاد الميليشيا” إذ لا يوجد جيش وطني نظامي موحد، بل يوجد أكثر من 150 تشكيل مسلح. وهذه الميليشيات لم تعد مجرد مجموعات مسلحة بل أصبحت شركات اقتصادية تسيطر على البنوك والمصرف المركزي في طرابلس وكذلك الموانئ ومسالك التهريب، كما تسيطر على تجارة البشر والوقود والسلاح، لذلك فإن من مصلحة تلك الميليشيات إبقاء الحالة على ما هي عليه، فالاستقرار يعني حلها وبالتالي فقدانها لنفوذها وامتيازاتها. فالفوضى مربحة أكثر من الدولة حتى أصبحت الميليشيات ليست مجرد مجموعات مسلحة خارجة عن القانون وإنما هي القانون والاقتصاد. لهذا كلما اقترب موعد توحيد الجيش إلا واندلعت اشتباكات مسلحة خاصة في طرابلس وذلك ليس من باب الصدفة بل دفاعا عن مورد رزق وحفاظا على استمرار تلك المؤسسات الاقتصادية.
العقدة الجغرافية والقبلية
ليبيا تضم ثلاثة أقاليم وكل إقليم يدّعي أنه ليبيا الحقيقية ويخاف ويرفض أن يحكمه الإقليم الآخر:
– طرابلس والغرب: منطقة بها كثافة سكانية عالية بما يمثل 60% من مجمل سكان ليبيا وتسيطر على المؤسسات المالية الدولية المعترف بها وعلى إرث العاصمة. تكمن قوتها في المال والميليشيات، في حين يظهر ضعفها في غياب جيش نظامي وهي مدعومة من تركيا وقطر.
– برقه والشرق: منطقة لها شرعية تاريخية مستمدة من مملكة السنوسيين ولكنها تشعر بتهميش تاريخي منذ نقل العاصمة إلى طرابلس. تستحوذ هذه المنطقة على 80% من احتياطات النفط وتظهر قوتها في امتلاكها جيش نظامي متماسك بقيادة المشير خليفة حفتر وقبائل قوية، في حين يظهر ضعفها في غياب السيولة والشرعية الدولية وهي مدعومة من مصر والإمارات وروسيا.
– فزان والجنوب: وهي صحراء شاسعة بما تمثل 30% من مساحة ليبيا و3% فقط من سكانها، وهي منطقة منسية من أي مخطط أو ميزانية وتعيش حالة حرمان من أية خدمات عمومية، لذا فهي تمثل شريان التهريب نحو تشاد والنيجر بالنسبة لقبائل الطوارق والتبو المسلحة.
العقدة النفطية أو لعنة الموارد والثروة
بالرغم من أن ليبيا تملك أكبر احتياطي نفط في إفريقيا، فمن المفارقات العجيبة أن هذا النفط هو من أهم أسباب الانقسام.
80 % من النفط من حقول وموانئ نفطية كبرى (السدرة، البريقة، الهلال النفطي) تقع تحت سيطرة الجيش في الشرق، بينما 80 % من المؤسسات ومنها المؤسسة الوطنية للنفط التي تبيع والمصرف المركزي الذي يقبض 25 مليار دولار سنويا يقعان تحت سيطرة حكومة طرابلس، ولا أحد من الطرفين يريد تقاسما عادلا للعائدات، لذا فإن كل طرف يستخدم النفط كسلاح. هذه المعادلة المسمومة خلقت ابتزازا متبادلا مستمرا، فالشرق يغلق صنابير النفط كلما أراد الضغط السياسي وفي المقابل يقطع الغرب مرتبات الشرق كلما أراد الرد. ففي سنة 2025 بلغت الإيرادات النفطية الموردة للمصرف 22.1 مليار دولار بينما بلغت استخدامات النقد الأجنبي 31.1 مليار دولار بعجز 9 مليارات، وهذا العجز هو بسبب إغلاق الحقول المتكرر. ومن ناحية أخرى فإن المجتمع الدولي عبر مؤتمراته التي لا تنتهي يتحدث عن التوزيع العادل للثروة، لكن دون طرح حقيقي لصيغة التوزيع: فهل سيتم ذلك حسب عدد السكان أم حسب مكان الإنتاج أم حسب الاحتياج التنموي؟ وهكذا ستبقى الوحدة المنشودة دون قانون ملزم لتوزيع العائدات مجرد شعار، وبالتالي فإن أي وحدة دون قانون موحد وواضح يحدد من يملك النفط وكيف توزع الثروة هي وحدة شكلية وستبقى كل حكومة تتهم الأخرى بالسرقة.
عقدة الشرعية
في واقع الأمر ليبيا دولتان صلب دولة واحدة تحكمهما حكومتان، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس معترف بها دوليا لكن بلا سيطرة على الشرق، وحكومة الاستقرار الوطني في بنغازي تسيطر على الأرض لكن بلا اعتراف دولي وبلا مال. وفي ليبيا برلمانان، المجلس الأعلى للدولة في طرابلس الغرب ومجلس النواب في طبرق الشرق. كما يوجد في ليبيا مصرفان مركزيان وديوانان للمحاسبة وشركتان وطنيتان للنفط. وفي خضم هذا الواقع المنقسم يدفع المواطن الليبي ضرائبه لحكومتين ويستخرج جواز سفره من منظومتين مختلفتين، وقد زاد المجتمع الدولي الطين بلة باعترافه بحكومة طرابلس ماليا وتعاونه أمنيا مع جيش الشرق لمحاربة الإرهاب وهو ما يكرس سياسة تعميق الانقسام على خلاف ما يسعى إليه من أجل توحيد ليبيا.
العقدة الخارجية
لم يعد الصراع ليبيّا – ليبيّا بل أصبحت ليبيا ساحة حرب باردة جديدة مفتوحة للنزاع والصراعات بين قوى إقليمية ودولية حول الموارد والتموقع حتى أصبحت ليبيا اليوم هي أوكرانيا المتوسط كساحة اختبار للنفوذ:
– تركيا وقطر تدعمان الغرب: وقد تدخلت تركيا عسكريا سنة 2019 وأنقذت طرابلس، فكان الثمن أن أقامت قواعد عسكرية واستأثرت بعقود إعمار وتنقيب عن الغاز في المتوسط.
– مصر والإمارات وروسيا في الشرق: أما مصر فتريد منطقة عازلة، لذا تعتبر برقة عمقها الأمني، فسقوطها بيد ميليشيات إسلامية يمثل تهديدا مباشرا لحدودها الغربية، وأما الإمارات وروسيا عبر “فاغنر” فتدعم المشير خليفة حفتر كقوة عسكرية ضد الإسلام السياسي وتريد وضع قدم في الجنوب.
– فرنسا وإيطاليا: هو صراع أوروبي – أوروبي، إيطاليا تريد غاز طرابلس وفرنسا تريد نفط برقة.
– الولايات المتحدة: لا تريد دولة ليبية قوية تتحكم في 40% من احتياطي غاز المتوسط بل تريد فوضى مدارة متحكم بها لمنع الهجرة والإرهاب. وبذلك فإن كل تدخل أجنبي يطيل عمر الانقسام لأنه يمنع طرفا من الهزيمة الكاملة ويمنع الآخر من الانتصار والنتيجة توازن رعب يضمن استمرار الانقسام.
العقدة السياسية أو غياب عقد اجتماعي
كل الحوارات التي رعتها الأمم المتحدة منذ 2015 من الصخيرات إلى برلين إلى جنيف كلها فشلت لنفس السبب، إذ كانت تقسم المناصب بين النخب مغيّبة الشعب من خلال دستور يصوت عليه ليقرر شكل الدولة، حتى أن مسودة الدستور لسنة 2017 بقيت مجمدة ولذلك فإن أي انتخابات خارج هذا الإطار ستكون انفجارا جديدا لأن الخاسر لن يعترف بنتائجها خاصة في ظل استمرار انتشار السلاح كما حدث في 2021 عندما ألغيت الانتخابات قبل 48 ساعة، وهكذا فإن أكبر خدعة دولية هي الدعوة لانتخابات رئاسية دون دستور ومآل كل محاولة بنفس الشاكلة الفشل المؤكد وتأبيد الفوضى الراهنة.
العقدة النفسية أو انهيار الثقة
عاشت ليبيا بعد 2011 صدمة مزدوجة، ما قبل 2011 تربّى جيل كامل على فكرة أن الدولة هي القذافي وأن القذافي هو الدولة وعندما سقط حلت القبيلة والميليشيات محل الدولة. وأما ما بعد 2011 وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن خلقت الحرب الأهلية والدعاية جيلا لا يثق في الآخر، فالمواطن في طرابلس تربّى على أن الشرق يحكمه عسكري انقلابي، بينما المواطن في بنغازي تربّى على أن الغرب تحكمه ميليشيات إخوانية، فانعدمت الثقة وحدث ما هو أخطر من الانقسام السياسي ألا وهو الانقسام المجتمعي، وهذا الشرخ المجتمعي لا تحله مؤتمرات جنيف ولا غيرها وإنما يحتاج إلى سنوات من المصالحة القاعدية.
الحل لن ينزل من فوق وإنما القاعدة هي الحل
إن جميع محاولات توحيد ليبيا تركزت بالأساس على الانتخابات فاصطدمت بمنظومة عقد متشابكة ومترابطة، والحقيقة أن ليبيا لن تتوحد بالانتخابات فقط كما تروج وتخطط له الاتفاقيات ولا حتى بحرب يحسمها طرف على حساب آخر ولا باتفاق بين حكومتين، وإنما التوحيد يحتاج تسلسلا عكسيا لما يحدث ودون هذا التسلسل فإن أي حل سيكون مجرد هدنة بين معركتين. ومن أهم الخطوات الحاسمة نحو التوحيد الفعلي، أولا: توحيد السلاح وذلك بدمج الميليشيات في جيش وشرطة بضمانات اقتصادية من وظائف ورواتب وليس بالإقصاء، ثانيا توحيد المال باتفاق ملزم وشفاف على توزيع عائدات النفط توزيعا عادلا على الشعب حسب ما يتوافق عليه، ثالثا توحيد القانون وذلك بصياغة دستور يختاره الليبيون يقرر شكل الدولة ومن ثم على أساسه تقام الانتخابات على خلاف ما تركز عليه أغلب الاتفاقيات باعتبار الانتخابات هي المنطلق. لذلك فإن المسار الأممي الحالي الساعي إلى إقامة حكومة موحدة وإجراء انتخابات دائما ما يفشل لأنه يبدأ من فوق على خلاف المسار الواقعي الصحيح الذي يجب أن يبدأ من القاعدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
