بقلم مي الأحمدي
“كل جيل يجب عليه، انطلاقاً من عتمة نسبية، أن يكتشف رسالته، فإما أن ينجزها وإما أن يخونها”. فرانتز فانون.
تحل علينا الذكرى الواحدة والستون لليوم العالمي للشبيبة المناهضة للإمبريالية، لنستحضر لحظة تاريخية فارقة؛ فبعد أن صدرت كوبا الثورة كالنار في الهشيم إلى بقية الشعوب التواقة للتحرر، اندلعت في أفريل 1965 بجمهورية الدومينيكان انتفاضة شعبية كبرى بقيادة شبيبة ثورية وضباط وطنيين (الدستوريين) نادوا باستعادة المسار الديمقراطي وعودة الرئيس الشرعي “خوان بوش” الذي أطاح به انقلاب عسكري مدعوم من واشنطن. لقد واجهت تلك الشبيبة بصدور عارية أضخم إنزال عسكري أمريكي في القارة والذي شارك فيه 42 ألف جندي، ليكون ذلك التاريخ صرخة عالمية ضد الهيمنة.
نحيي اليوم هذه الذكرى في إطار سياق عالمي ينذر بحالة من الجنون أصابت الرأسمالية؛ إذ أن بلوغها أعلى مراحلها (الإمبريالية) أصاب ركائزها الهرمية بعُضال أعجزها عن المنطق، فبانت للعلن على حقيقتها البشعة. لقد كُشفت وهي تأخذ بيدها المكاسب التي تُوهم الشعوب بإعطائهم إياها بيدها الأخرى، فأصبحت رموزها كاريكاتيراً عابراً للقارات، حيث غدت فضائح وكلائها وتهشيم أكاذيبها الداعية للحرية والمعادية للاشتراكية بوصمها سفاحة للأطفال ونقيضة للإبداع جزءاً من تآكلها الذاتي.
فبينما جاء الاتحاد السوفيتي بإجبارية التعليم ومجانيته وجعل الثقافة حقاً مشاعاً، كان الأطفال في “جزر الرأسماليين” ضحايا للاستغلال الجنسي وإن غادروها فهم عبيد في المناجم والمصانع. وبينما ناهضت الاشتراكية الإمبريالية، نجد اليوم الولايات المتحدة الأمريكية تُعدد جرائمها الكونية: من محاولات الانقلاب في فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي، إلى تدمير سوريا وتفتيت نسيجها، وقيادة الإبادة الجماعية في فلسطين، التي قبل أيام من إحياء ذكرى الشبيبة المناهضة للامبريالية كان قد صدر قانون فاشي يعبر عن النزعة العنصرية بإعدام الأسرى، إضافة إلى العدوان المستمر على لبنان، واليمن والعراق وانطلاق العدوان المتوقع على إيران بحراسة أمريكا بطل إسرائيل الخارق الذي يقوم نيابة عنها برحلة إعادة تقسيم خريطة الشرق الأوسط بما يتماشى مع متطلبات سوقها وحاجتها الخاصة، ملقية بمصالح الشعوب عرض الحائط سائرة نحو بناء دولة إسرائيل الكبيرة. إن الإمبريالية الأمريكية ما زالت من الدومينيكان إلى اليوم في رحلة التهجير والترحيل والاغتيال والاختطاف والكل مبرر مقابل تحقيق غايتها.
وهذا يعتبر مألوفا لما يعجّ به سجلها الدامي من تصفية المناضل “باتريس لومومبا” في الكونغو، وتدبير انقلاب “بينوشيه” الدموي في تشيلي، وحروب الوكالة التي لا تنتهي. وفي حين جرى تصوير إنجازات الجيش الأحمر وتضحياته في دحر النازية كما لو أنها عمليات قمعية عمياء موسومة بالجنون، نُفذت بأكملها من أجل تأكيد الدكتاتورية الشخصية لستالين، أثبت العالم اليوم أن هذا الخطاب لم يكن إلا ستاراً يختبئ خلفه المجرم الحقيقي.
فالواقع اليوم ينقل عربدة الرأسمالية، مشيراً إلى كون وحشيتها تتمركز في فكرها الإقصائي أولاً، ثم فيما تُرجم على أرض الواقع كنتيجة حتمية لتعطشها للمراكمة والنهب ما يفرض على الشعوب مناهضتها.
إن مناهضة الإمبريالية هو التصدي الفعلي لتمركز رأس المال الذي يهدف لتقسيم العالم نهائياً إلى مناطق نفوذ، وهو الوعي بأن الإمبريالية هي “عشية الثورة الاجتماعية للبروليتاريا“. وإن مهمة كل الطبقات المسحوقة هو الانخراط في هذا النضال، فإن مناهضة الإمبريالية هو فعل شعبي جماعي، لا يقتصر على النخب، بل ينبع من معاناة الفلاح الذي سُلب أرضه، والعامل الذي هُضم حقه، والمثقف المشتبك مع قضايا شعبه.
إن كان دور الطبقة العاملة هو الدور التاريخي والحتمي الذي يمكنه تحرير المجتمع نظرا لموقعها في قلب العملية الإنتاجية الذي يجعل منها المنتج الوحيد لفائض القيمة والقوة القادرة على شلّ مفاصل الرأسمالية وتفكيكها من الداخل. وبفضل انضباطها الجماعي في المصانع الكبرى، تتحول من “طبقة بذاتها” تعاني الاضطهاد، إلى “طبقة لذاتها” تحمل وعياً ثورياً منظماً، لتكون بذلك حفار قبر الرأسمالية والطليعة التي تقود المجتمع نحو الأفق الاشتراكي حيث تنتهي سيطرة الإنسان على الإنسان.
وإن هذا الدور المركزي الذي تلعبه الطبقة العاملة لمناهضة الرأسمالية بكل مراحلها مرتبط بشكل عضوي بالمهام المحمولة على عاتق الشبيبة بكونها طليعة صدام وكتيبة استطلاع، وهي مُطالبة بالارتباط العضوي بنضالات البروليتاريا، وتحويل الحماس العفوي إلى فعل تنظيمي واع. إن الشبيبة، عليها أن تقبض على الأمور من جذورها، بكونها قلب الثورة النابض. والتوازن بين المرونة الفكرية والاندفاع الثوري، عليها أن تُشبع ذاكرتها بمعرفة كل الثورات التي أنتجتها البشرية، فلا يهدأ لها بال حتى بلوغ الثورة الاشتراكية التي ستعيد للفرد إنسانيته المستلبة.
وتتجلى هذه المهام اليوم في التصدي لها عبر كل أوجهها وطنيا وإقليميا وعالميا، وإن التبعية الاقتصادية تعتبر أحد أوجه الإمبريالية، ليس بالحروب فقط بل أيضا بكل أدوات العنف المستترة، فإن الوضع في تونس يرزح تحت التبعية والارتهان عبر الديون وتعتبر السلطة أحد أوجه هذا الكمبرادور الذي يسعى لمزيد تخدير الشعب.
إذ أن التاريخ في وطني يأبى إلا أن يعيد نفسه كمهزلة مبتذلة؛ فنحن اليوم إزاء مسرحية رثة، غبارها قديم وعروضها بائدة، ورغم سياقنا المعاصر الذي يوفر تقنيات عالية الدقة، إلا أن هذا النظام يقدم لنا عرضاً رديئاً تقنياً وفكرياً، تفضح فيه الكاميرات الحديثة تجاعيد الخطاب الخشبي المتهالك، فتبدو العروض السيادية مجرد أقنعة بلاستيكية فوق وجوه استنفدت كل حيلها حيث تعيد الشعبوية إنتاج أدوات الاستبداد البالية عبر الحرب النفسية بكونها فرع مستقل وبالغ الأهمية في الحرب الحديثة الشاملة. فالافتراء وتفسيد النفوس والتحريض واستغلال الخلافات ومفاقمة التناقضات وتشويه صورة الخصم وارتكاب الجرائم لإلصاقها بظهر الخصم هي تكتيكات معروفة يعتمدها النظام الشعبوي القائم لإضفاء شرعية على جرائمه فإن أردت تدمير شعب دمّر ذاكرته الجماعية واضرب رموزه.
وهذا ما يحاول النظام أجهزة وأبواقا القيام به طيلة سنوات، وهو ما يعتبر بأحد إفرازات الإمبريالية في مشروعها العالمي.
لذلك علينا إحياء ذكرى الشبيبة المناهضة للامبريالية بالكثير من الوعي أن أفضل ما نقدمه لكل شعب يناضل ضد براثن الإمبريالية هو نضالنا ضد أنظمتنا الرجعية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
