بقلم عمار عمروسية
لا تفصلنا سوى أيام قليلة عن عودة مدرسية وجامعية يغلب على الظن أنها ستكون أشدّ وطأة قياسا بسابقاتها على جلّ الأطراف ونقصد بطبيعة الحال الثالوث الأخير: الوليّ، الدارس، والإطار التربوي.
والحقيقة أن هذا الاعتقاد ليس بالأمر الاعتباطي المحكوم بمنطق ذاتي أو حسابات سياسية مرتبطة بمنظومة الحكم القائمة بل هو حصيلة قراءة موضوعية لجملة من المعطيات الواقعية التّي تحفّ بهذه العودة التّي انقلبت في نظر الكثيرين إلى كابوس مرعب يزيد من معاناة المجتمع الذي أنهكته كما لم يسبق سلسلة الأزمات المتلاحقة خصوصا في سنوات حكم “قيس سعيد” الذي أفلح بامتياز من جهة في تسريع وتائر تدمير المرافق العمومية وإنهاك الدولة بمختلف مؤسساتها ومن ناحية أخرى في جرّ البلاد نحو وراء الوراء كما يحلو لبعض التونسيات والتونسيين القول.
استحقاق كبير في عهدة منظومة فشل ذريع
أكدّت حصيلة حكم “قيس سعيد” وبالأخصّ في السنوات الخمس التي أعقبت استفراده بجميع السلطات عجزه الفظيع لبس فقط عن إيجاد الحلول الجذرية للمشكلات المتعاظمة التي تعصف بالبلاد والعباد وإنما حتى الاهتداء إلى مسكّنات وحلول ترقيعية، على النقيض من ذلك انقلبت المنظومة الشعبوية إلى موّلد لا يتعب من اختلاق الأزمات وصناعتها بوسائط مختلفة تجمع بين نوازع التنكيل وسياسات العبث والاستهتار المندمجة مع ضحالة المعارف السياسية وأساليب إدارة الشأن العام في سياقات محلية وإقليمية وعالمية شديدة التعقيد.
فوقائع صائفة الظلام والعطش والموت بالسجون وخارجها وحدها كفيلة بأن ترسم مقدّمات عودة مدرسية وجامعية شديدة العسر والاضطراب الذي سيطال مختلف جوانب الاستحقاق الوطني الكبير.
فهل بعد عجز هذه المنظومة المتهالكة عن توفير الحدّ الأدنى للاستمرار في الحياة مثل الماء والنور الكهربائي أمل في قدرتها على تأمين عودة مدرسية وجامعية لائقة؟
وهل من المنطق انتظار نجاح لمنظومة أخذت على عاتقها ليس فقط موقع المتفرّج على الوضع المريع للسجون التي أضحت بمثابة محتشدات تجاوز في الأيام القليلة الماضية فقط عدد أمواتها العشرين وفق تصريح السيد “بسام الطريفي” رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان؟
وهل من الصواب بعد إمعان هذه المنظومة في مراكمة أفظع أنواع العجز والفشل في مجالات مختلفة طالت ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ورياضي انتظار نتائج مختلفة؟
عودة في سياق عام مأزوم
تعيش بلادنا تحت وطأة أزمة عامة وشاملة أثمرت بمرور الوقت قلقا مجتمعيا عميقا بدأ يجد تعبيراته في نهوض تدريجي جماهيري وشعبي أسهم في تعميق الحدود الفاصلة أو بالأصح الهوّة بين طغمة الفوق وجموع التّحت سواء من كان منها منتظما في أطر نقابية أو جمعوية وحزبية الخ… أو تلك الشرائح والفئات غير المنتظمة.
بالتوازي مع ذلك تحرص المنظومة على صون سيادتها وحماية مصالح الطبقات العميلة وأسيادها بواسطة القوة الغاشمة التي أضحت هي الخيار الوحيد تقريبا لضمان الهدوء، في ذات الوقت سرّعت سلطة الانقلاب من خطى انسحاب الدولة من فضاءات وظائفها الاجتماعية فانقلبت إلى وحش مفترس يقتات من الجباية المشطّة والتقشف على حساب المستلزمات الدنيا والضرورية لخدمات مختلف المرافق العمومية التّي تتقاطع وظائفها وأدوارها في مجال التربية والتعليم.
وفي هذا الصدد ليس من المنطق في شيء أن نتصوّر عودة مدرسية وجامعية غير متأثرة بمشكلات الماء والنور الكهربائي والنقل العمومي الخ.. كما أنه ليس من المعقول أن تعرف المعضلات القديمة (البني التحتية المتآكلة، غلاء المواد المدرسية، ارتفاع معاليم الترسيم، الاكتظاظ والأكل والسكن للطلاب خصوصا…) مزيدا من التدهور المرتبط بشحّ الاستثمارات ومحدودية الأموال المرصودة في الميزانية العمومية لتلك الأبواب.
أدارت المنظومة الشعبوية الرثة وجهها عن توفير الحدّ الأدنى المادي والمعنوي للتعليم العمومي وعبدت الطرق القديمة وفتحت مسالك جديدة لتعليم خاص تديره حسابات الربح السريع والتّحايل المكشوف لتعميق الفوارق الطبقية وسط ناشئة الشعب الواحد.
إن عناصر الأزمة التي ترافق هذه العودة لا تقف عند هذه الحدود، فهي كثيرة ومتداخلة وضمن هذا الصدد هناك جوانب كثيرة مرتبطة بأطر التدريس في مختلف المراحل ،فجميعها وإن باختلافات تفصيلية ثانوية تلتقي في ظروف العمل الصعبة والمزرية وفي الرواتب الهزيلة قياسا بمهنة تتطلب الكثير من الوسائط المتجدّدة والمكلفة.
والأنكى من جميع ما سبق هو العودة القوية لنمط التسيّير البيروقراطي القائم على السلطات الواسعة للإدارة والسلطة السياسية التي ثابرت على تدجين الفضاء الجامعي والمدرسي وفق مقتضيات الولاء والطاعة ونبذ هوامش الحراك السياسي الناقد والنقابي المستقل.
فالسلطة لم تعد قابلة إلا برجع صداها وهي تخوض حربا مفتوحة مع جميع الجامعات العامة للتعليم الأساسي والثانوي والعالي زيادة عن القيمين والقيمين العامين وغيرهم…
فأبواب التفاوض موصدة أمام الجميع وازداد إغلاقها في الأيام القليلة الماضية ممّا جعل كلّ الهياكل النقابية لأسلاك التربية والتعليم تبادر بإصدار لوائح مثقلة بالمطالب وتتنادى إلى عقد هيئات إدارية وطنية قد تنتهي على الأرجح إلى خطوات نضالية تصعيدية.
إن سياسة خنق العمل النقابي وإنهاك الاتحاد العام التونسي للشغل وإضعافه للإجهاز عليه ليست في اعتقادنا “خطوات تكتيكية وظرفية” لتحقيق مكاسب مؤقتة مثلما كان يحدث زمن “بورقيبة ” أو “بن علي” وإنما هي مع الديكتاتورية الشعبوية خيار أساسي قار ومستمر بهدف تحقيق وهم القضاء على الأجسام الوسيطة بما فيها النقابات العمالية والطلابية الخ…
وفي هذا السياق ليس مستبعدا أن تركز المنظومة المتهالكة تصويبها على الحرم الجامعي بهدف تضييق الخناق على الاتحاد العام لطلبة تونس وتقويض دعائمه التي أمكن لها الصمود أمام جرّافة حكم وضع كلّ إمكاناته لتدجين المجتمع وإعاقة تطوّره حفاظا على نمط حكم فردي بشع.
إنقاذ المنظومة التعليمية معركة مجتمعية
لم يعد هناك أدنى شك في أنّ الخراب الممنهج الذي لحق المنظومة التعليمية العمومية تحت هذه السلطة المستهترة أضحى أمرا أولا شديد الكلفة على التونسيات والتونسيين حاضرا ومستقبلا وثانيا الحاجة المستعجلة لتوحيد مختلف الفعاليات النضالية ووضع خارطة طريق واضحة المعالم لإيقاف هذا التقهقر مع الوعي المسبق بضراوة هذه المعركة مع سلطة حسمت معالجتها القائمة على المزاوجة بين القوّة الغاشمة في هذا الفضاء والإمعان المخزي في الخيارات القديمة تحت صخب بروباغندا الدولة الاجتماعية والتعليم الشعبي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
