الرئيسية / صوت الوطن / خطر الشعبوية يهدّد الأوضاع اليومية للمواطنين!
خطر الشعبوية يهدّد الأوضاع اليومية للمواطنين!

خطر الشعبوية يهدّد الأوضاع اليومية للمواطنين!

بقلم شيراز بن حسين

لم تشهد بلادنا أوضاعا أسوأ من هاته التي يمرّ بها الشعب التونسي في تاريخها، فكيف لا، وقد ضرب الشلل التام جلّ المرافق، وقد بلغ السيل الزبى فعلا. فعوض النهوض بالبلاد والبحث عن حلول جدية بعيدا عن سياسة التشفي والانتقام من كلّ معارض أو منتقد، أصبح الحلم الحصول على “شربة” ماء وكهرباء في المنزل. فمشاهد الصفوف والوجوه الشاحبة لجلّ المواطنين التي تبحث يوميا عن الماء أو تحتج لما آلت إليه أوضاعهم اليومية، تعبّر حقيقة عن ما تسببت فيه هذه الشعبوية التي أصبحت فعلا خطرا حقيقيا على حاضر البلاد ومستقبلها.

ورغم تأزّم الأوضاع يوميا خاصة مع موجة الحرّ التي ضربت البلاد، لم تبادر المنظومة الحاكمة لإيجاد الحلول الحقيقية، بل وكعادتها ظلّت تكيل التهم بالتآمر وتأجيج الأوضاع، بل بلغ الأمر إلى إحالة مهندسين بالشركة التونسية للكهرباء والغاز على أنظار التحقيق القضائي بتهم قطع الكهرباء عن المواطنين، وتأجيج الرأي العام ضدّ الموظفين بكل من الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والشركة التونسية للكهرباء والغاز. وهو ما عبّر عنه رأس المنظومة بتاريخ 26 أوت الجاري لدى استقباله رئيسة الحكومة وعدد من الوزراء والمديرين العامين للشركتين، حيث اعتبر” أنّ ما تمّ تسجيله خلال الفترة الأخيرة من تعدّد وتواتر لعدد من الظواهر والإشكالات في عديد القطاعات والجهات، لا يمكن اعتباره مجرّد أحداث عابرة أو حالات معزولة، فضلا عن أنّ الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء في عديد المناطق لم يكن نتيجة أعطاب عادية بل كان نتيجة أعمال مدبّرة يهدف من خطّط لها ونفّذها إلى تأجيج الأوضاع بشتّى السّبل وبث الأكاذيب والإشاعات بهدف الإرباك والتّنكيل بالمواطنين حتى في أبسط الخدمات، مضيفا، أن أعداء الوطن ومن والاهم باتوا مكشوفين أمام الشعب التونسي”.

هل انتهى حاجز الخوف؟

رغم سوء الأوضاع اليومية التي يعاني منها جلّ التونسيين منها انقطاع الماء الصالح للشرب والكهرباء وتأزّمها، إلاّ أنّ ما أصبحت تتحدث عنه رأس المنظومة قد تحوّل إلى مجال وفرصة للتندّر والاستهزاء بل إنّ حاجز الخوف الذي كان يسيطر على المواطنين قد بدأ في الانهيار. ولعل التحركات الاحتجاجية التي اجتاحت عدد من المدن والغضب والسبّ والامتعاض عمّا أصبحت حياتهم اليومية خير دليل، كما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوات لعدد من الشباب يتحدثون فيها عن أوضاعهم وعائلتهم وخوفهم من مستقبلهم الذي بات مخيفا بل ويوجهون اتهاماتهم في شكل لافت إلى قيس سعيد الذي ومنذ انتخابه لم يقدّم أيّ حلول واقعية بل باتت أكثر إنجازاته الزجّ بالمعارضة والمدونين وكل من ينتقد الوضع في السجون، وهذا التحوّل أي المقصود تنامي حالة الغضب مع تزايد الأزمات فيما يتعلق بالواقع المعيشي للمواطن قد ينبأ بانفجار اجتماعي وشيك.

ولم تقتصر موجة الغضب لدى غالبية التونسيين فقط بسبب تواصل توجيه التهم من جانب قيس سعيد إلى من يصفهم بالمتآمرين فقط، بل إنّ هذه الموجة قد تزايدت خاصة مع الزيارات الأخيرة له لعدد من المناطق والمنشئات العمومية والتي عمليا لم تقدّم ولو حلاّ حقيقيا وحيدا لأزمة التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب أو المياه المعلبة. فأمام تواصل سياسة قطع الماء الصالح للشرب والتيار الكهربائي بشكل يومي والتصريحات للرأي العام التي قام بها عدد من موظفي/نقابيين الشركة التونسية للكهرباء والغاز لدى عدد من وسائل الإعلام وتفسيرات لعدد من الخبراء والتي أشارت بشكل واضح لأسباب الأزمة (عجز طاقي تخفيه السلطة) ومدى علم سلط الإشراف بها مسبقا والتي ظلت عاجزة عن البحث عن حلول بدورها، قد أوضح لدى الرأي العام أنّ المتسبب في الأزمة الأول والرئيسي هو رأس المنظومة دون غيره.

سقوط قناع الشعبوية الفاشلة والعاجزة

ينتهي فصل الصيف في تونس لتتبدّد معه بالكامل مفاعيل “المسكنات المؤقتة” التي تتخفى وراءها سلطة الحكم الفردي الشعبوي طيلة الأشهر الماضية، وتتعرّى الحقيقة الحارقة أمام شعبنا بأنّ المراهنة على خريف هادئ ليست سوى ضرب من أوهام الماكينة الدعائية الحاكمة. إنّ الأزمة الخانقة التي تعيش على وقعها بلادنا اليوم لا ترتبط بتبدّل الفصول أو العوامل المناخية الموسمية، بل هي النتيجة الحتمية لفشل منظومة حكم عاجزة تماماً، لا تملك أي برنامج حقيقي لإنقاذ البلاد من التبعية والانهيار الاقتصادي. فهذا الخطاب العاجي المعزول في أبراج التجريد، والذي يقتات على شعارات السيادة الزائفة واجترار الأعداء الافتراضيين والحديث عن الغرف المظلمة، يصطدم اليوم بجدار الواقع المرير، فالجماهير الشعبية لا تعيش بالخطب الجوفاء، بل تواجه يومياً الغلاء الفاحش، وفقدان الأدوية والمواد الأساسية، وأزمة العطش، والانقطاع المتواصل للكهرباء، بالتوازي مع التدمير الممنهج للمرافق العمومية من صحة وتعليم ونقل.

فلقد استغلّت السلطة القائمة عائدات السياحة الموسمية وعرق التونسيين بالخارج طيلة الأشهر الماضية لتغطية عجز ميزانيتها وتسديد قروض الدوائر المالية الاستعمارية، مروّجة لذلك كإنجاز تاريخي، في حين أنّ الثمن الحقيقي قُطع مباشرة من قوت العمال والمفقرين وجوعهم. ومع حلول الخريف واستحقاقات العودة المدرسية والجامعية الحارقة، يجد المواطن التونسي نفسه مسحوقاً وعاجزاً عن تأمين أبسط مقومات الحياة وسط تجميد الأجور والارتفاع الجنوني للأسعار. هذا التناقض الصارخ والمحتدم بين بروج السلطة المشيدة بالوعود، وقاع المجتمع الذي يغلي بالتهميش والفقر، يدفع بالبلاد نحو مآلات حاسمة لا مفر منها، حيث ستتحوّل طاقة الغضب والاحتجاجات العفوية والمشتّتة التي سجلت أرقاماً قياسية في الصيف إلى حراك اجتماعي أوسع وأكثر وعياً، وتفقد “شماعة المؤامرة” كلّ قدرتها على التخدير والتسويف والتلاعب بعقول الناس. إنّ مآل هذا الصراع الطبقي والسياسي لن يُحل داخل المكاتب المغلقة، بل سيحسمه الشارع عبر تصعيد المقاومة الشعبية والعمالية المنظّمة في وجه الخيارات اللاشعبية والتابعة التي تصرّ المنظومة الحالية على إعادة إنتاجها وتطبيقها متبعة نفس خطى الحكومات السابقة التي ثار ضدها الشعب.

إنّ اللّحظة التاريخية الراهنة تفرض على القوى الحية التقدمية والثورية، وفي مقدّمتها الطليعة العمالية، التقدّم لتنظيم هذا الغضب وتسييسه ، لكسر قيد الاستبداد والشعبوية وفرض البديل الوطني الديمقراطي الشعبي الذي ينحاز كلياً للشعب ، ويسترد ثروات تونس المنهوبة وسيادتها الوطنية المسلوبة من أجل بناء دولة وطنية وشعبية جديدة تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية لكلّ مواطن تضرّر من منظومات الحكم الفاشلة والعاجزة.

إلى الأعلى
×