الرئيسية / صوت الوطن / قطاع النقل إلى أين؟ صدام حتمي بين الخطاب الشعبوي للسلطة ومعاناة التونسي اليومية
قطاع النقل إلى أين؟  صدام حتمي بين الخطاب الشعبوي للسلطة ومعاناة التونسي اليومية

قطاع النقل إلى أين؟ صدام حتمي بين الخطاب الشعبوي للسلطة ومعاناة التونسي اليومية

بقلم شيراز بن حسين

لم يكن قطاع النقل إن كان عموميا أو خاصا يوماً مجرّد وسيلة تقنية للتنقل، بل هو في جوهره حق طبقي ومواطني فهو بمثابة استحقاق دستوري يجسد مفهوم السيادة الشعبية على المجال العام. إنه الركيزة التي تُبنى عليها “حرية التنقل” الفعلية، والمحرك الأساسي لتكافؤ الفرص في الوصول إلى بقية الحقوق الدستورية مثل التعليم والعمل والعلاج. وعلى الدولة أن تلتزم بتوفير هذا القطاع، إن كان مرفقا عموميا، آمنا ومنتظما وبكلفة اجتماعية لا تخضع لمنطق الربح والخسارة، أو إن كان أيضا قطاعا خاصا بتنظيمه ومراقبته، وذلك لأن هذا القطاع المهم هو “الشريان” الذي يغذي جسد المجتمع المنهك بدوره.

إلّا أنّ هذا الحق تحوّل اليوم في تونس إلى مجرّد نصّ قانوني فارغ أكثر من أي وقت مضى، فهو منفصل تماماً عن الواقع التونسي الذي يزداد بؤساً يوما بعد يوم. وفي ظلّ تعاقب كلّ الحكومات ذات الخيارات اليمينية والنيوليبرالية المتوحشة، ظلّ ملف النقل في بلادنا يشهد تدهوراً هيكلياً ممنهجاً. هذا الانهيار ليس نتيجة أعطاب فنية أو تقنية كما يتم الترويج له منذ فترة، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السياسات العمومية وعجزها عن حماية المرافق الحيوية من الاهتراء، ممّا حوّل الرحلة اليومية للتونسي من حق دستوري وإنساني إلى “مسار إذلال” يومي يفتقر لأدنى معايير الكرامة البشرية.

وفي ظل المشهد السياسي الراهن ببلادنا، انتقلت أزمة النقل إلى مربّع المزايدات الشعوبية لدى منظومة الحكم الحالية، فبينما يفيض الخطاب الرسمي برئاسة قيس سعيد بشعارات شعبوية جوفاء تنادي زيفا بـ”السيادة” و”العدالة الاجتماعية” و”الانحياز للشعب”، يصطدم التونسي بواقع مرير ينفي كلّ هذه الادعاءات: أسطول متهالك، مواعيد وهمية، واكتظاظ يغتال كل الصفات المواطنية وحتّى الإنسانية. لقد تحوّل قطاع النقل في خطاب السلطة الحالية إلى أداة للتسويق السياسي وصناعة “العدو المتخفي” (المتآمرين، النقابات والإضرابات…)، بينما تغيب الإرادة الحقيقية للإصلاح الهيكلي والتمويل العمومي.

إنّ المواطن التونسي اليوم ليس مجرّد “مستعمل للمرفق”، بل هو الآن يعتبر “الحلقة الأضعف” العالقة بين سندان الوعود الشعبوية والتي لن تتحقق أبدا، ومطرقة المرفق العمومي الذي على ما يبدو يلفظ أنفاسه الأخيرة. إنّ بقاء الحافلات و”المتروات” رابضة في مستودعاتها هو العنوان الأبرز لفشل مشروع “الدولة الراعية” كما تزعم السلطة الشعبوية بتبنّيه زيفا، وتأكيد على أنّ تلك الشعارات الشعبوية، مهما بلغت نبرتها الثورية في حدود مربّع خطابات قيس سعيد، فإنها لا يمكنها أن تحرّك عجلة قطار معطبة بفعل غياب الرؤية والبرنامج الوطني والقرارات الشجاعة.

تحركات احتجاجية

إذن وأمام هذه الوضعية الكارثية التي يمرّ بها قطاع النقل في تونس وبصفة عامة، فإنّ هذا القطاع يشهد مؤخّرا حالة من التململ الواضح والتحركات الاحتجاجية المتصاعدة في شهر أفريل 2026، حيث أعلنت الهياكل النقابية عن سلسلة من التحرّكات الوطنية التي تشمل وقفات احتجاجية وإضرابات عامة. حيث يتركز التوتر الحالي بشكل رئيسي في قطاع النقل غير المنتظم للأشخاص، حيث تمّ إقرار خطوات تصعيدية تمثلت في وقفة احتجاجية وطنية انتظمت يوم الأربعاء 15 أفريل 2026 أمام مقر وزارة النقل. وإضافة إلى ذلك، فمن المرتقب تنفيذ إضراب عام يوم 27 أفريل 2026، يشمل كافة أصناف النقل غير المنتظم (تاكسي فردي، تاكسي جماعي، تاكسي سياحي، لواج، ونقل ريفي) بكامل مناطق الجمهورية، وتعود أسباب هذه التحركات إلى ما تصفه النقابات بـ”تراجع سلطة الإشراف عن وعودها”، وتتمثل المطالب الأساسية في: زيادة التعريفة والمطالبة بتفعيل محضر اتفاق 22 جانفي 2026 الذي ينص على زيادة في التعريفة قبل نهاية مارس 2026، إضافة إلى مراجعة التشريعات: المطالبة بتنقيح القانون عدد 33 لسنة 2004 والأمر 581 المنظم لإسناد الرخص لضمان وصولها لمستحقيها، وملفّ التطبيقات الذكية: الاحتجاج على عمل التطبيقات الذكية خارج الإطار القانوني، وكلفة الاستغلال: الارتفاع المشط في كلفة قطع الغيار والخدمات، مما أثر على مردودية المهنيين.

ومن جهة أخرى، وبمناسبة تولّي شمس الدين خليفي الكتابة العامة للجامعة العامة للنقل، خلفا لوجيه الزيدي الذي صعد ضمن المكتب التنفيذي الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل، برزت نبرة تصعيدية واضحة تجاه وزارة النقل أي سلطة الإشراف، حيث لوّحت الجامعة العامة بـ”سلاح الإضراب” لكسر ما اعتبرته “حائط الصمت” الحكومي”، حيث تتمحور أزمة القطاع خاصة حول ملفات حارقة تمسّ ديمومة المرفق العمومي، بدءاً من تطبيق الاتفاقات السابقة وصولاً إلى الوضعية الكارثية للأسطول والمديونية الخانقة للشركات. ويبدو أنّ الرسالة التي وجّهتها الجامعة واضحة مفادها أنّ الاستقرار في قطاع النقل يمر حتماً عبر طاولة المفاوضات لا عبر “تجاهل” المطالب المهنية.

إذن وفي حقيقة الأمر، فإنّ قطاع النقل في تونس اليوم يعيش فصلاً متقدّما جدّا من فصول تفكيك المرفق العمومي، حيث تجاوزت الوضعية الكارثية حدود الأزمة لتصبح سياسة ممنهجة تهدف إلى دفع النقل العمومي نحو الموت السريري. وفي مقابل هذا الانهيار، تلوذ السلطة الحالية وبخطاب شعبوي يرتكز على التنصّل من كلّ المسؤوليات والاستحقاقات، مستبدلةً ذلك بمربع التخوين وصناعة الأعداء الوهميين لتغطية عجزها عن إدارة الشأن العام.

إنّ هذا التمشّي في حقيقة الأمر لا يمثّل مجرّد إخفاق حكومي، بل إنّ الأمر أعمق من ذلك بكثير، فهو يبيّن جوهر هذه السلطة اليمينية الشعبوبة والتي تعتبر ذروة مشروع الانقلابات على أيّ دور الاجتماعي للدولة ونقض صريح لكلّ الاتفاقات مع أي شريك اجتماعي أو نقابي، ممّا يعمّق عزلة هذه السلطة الشعبوية ويدفع بها نحو مواجهة مباشرة مع كل الأجسام الوسيطة التي لا تؤمن المنظومة الشعبوية الحاكمة بوجودها أصلاً، فإنّ محاولات هذه المنظومة الشعبوية الماسكة بزمام الحكم اليوم في تصديرها لمثل هذه الأزمة بقطاع النقل إلى خارج دائرة مسؤولياتها وتحميلها لمنطق “التآمر” وبمحاربة طواحين الهواء من المفترض أنها قد استنفدت مفعولها تماما لدى الرأي العام الوطني، فالمواطن التونسي الذي يواجه يومياً ذلّ التنقل أصبح يدرك اليوم بأن ذلك الخطاب الشعبوي للسلطة هو لا يعدو أن يكون بمثابة “ماعون خدمة” لا غير للسلطة وذلك من أجل التخدير والتضليل وليس هو بخطاب للسلطة وبرنامج للحكم من أجل تغيير الواقع التونسي والتقليل من معاناته اليومية.

إلى الأعلى
×