الرئيسية / صوت الوطن / قفصة: فسفاط الحكومة و”أقدار” النضال
قفصة: فسفاط الحكومة و”أقدار” النضال

قفصة: فسفاط الحكومة و”أقدار” النضال

عمار عمروسية

مثلّ الفسفاط في كلّ عهود الحكم المتعاقبة العمود الفقري الذي تدور حوله مجمل مقاربات السلطات بالنّظر إلى الإسهام النشيط لعائدات “شركة الفسفاط” في تعبئة خزينة الدّولة وفكّ ضائقتها خصوصا وقت الأزمات الاقتصادية الحادّة.

فالبقرة مدرار في أغلب الأوقات والحاجة إليها قارّة أيضا خصوصا زمن الشدائد مثلما هو الحال اليوم.

ومن المفارقات العجيبة أنْ ذاك الاشتغال بقى سجين المنطلقات القديمة البالية. فعيون السلطة وقلوب رجالاتها منذ عهد “العكري” تخفق لتدفّق التراب وتمقت الأهالي.

فالمهمّ لهم دوران “العجلة” بالشركة حتّى وإن كان ذاك الدوران على رقاب أبناء وبنات الجهة وتردّي أوضاعهم كما لم يحدث من قبل.

تسوء أحوال المنطقة على جميع الأصعدة وتشارف مراكزها الحضرية وأريافها إلى فضاءات اختناق اجتماعيْ يهلكه التلّوث البيئي وانهيار البنية التّحتيّة وخراب المرفق العمومي وتفشي البطالة والفقر وجميع آفات الأمراض الاجتماعيّة كالمخدّرات… والاهتمام الحكومي يراوح مكان القديم البالي في التّعاطي مع أزمة الجهة.

فجميع المؤشرات تؤكدّ أن لا جديد في هذا الحضور القوّي لملفّ الفسفاط لدى حكومة “الفخفاخ”.

والأنكى من ذلك تعدّدت رسائل الاحتقار لمطالب الأهالي المشروعة والتّلويح من جديد بسياسة البطش والتّنكيل تحت دعاوي العسكرة ومزاعم المصلحة الوطنية.

فالاهتمام الحكومي المتزايد بملف الفسفاط ومساعي حلحلة الأمور في الغرف المظلمة مثلما هو حاصل يعزّز المخاوف من تنامي نزعات التّهوّر نحو السياسات الأمنية الفضّة في التّعاطي مع الحراك المجتمعي الصّاعد. ومعلوم أنّ هذا الخيار أثبت في أكثر من مرّة عقمه، وعاد بالوبال على أصحابه حتّى في أفضل حالات الدولة البوليسية الغاشمة.

فالحركة الاجتماعية والسياسية راكمت خبرات مهمّة في كسر شوكة الاستقواء والهمجيّة وتمكّنت في مناسبات عديدة من خوض معارك كانت نهايتها خسارة السلطة وانتصار الأهالي.

فسياسة العقاب والتّهميش المحكوم بمنطق القوة الغاشمة لم يفلح في وأد بذور الاحتجاج والمقاومة، وعلى النّقيض من ذلك فالذّهنية العامّة للأهالي جيلا بعد جيل تتناقل ثقافة المقاومة ونبذ “الحكم” التي تتغذّى من ماضي علامات عناقيد “المجاهدين” العائدة إلى شجاعة “البشير بن سديرة” في بدايات القرن الماضي وبطولات “علي بالهامل” ورفاقه في الثلاثينات مرورا إلى ملاحم “الأزهر الشرايطي” و”عمار بني” والشيخ “العربي العكرمي”الخ… فمنطق القوة ومعادلة الصّمت بقوّة الحديد والنّار أسقطته انتفاضة الحوض المنجمي الباسلة وسياسة التّحايل وربح الوقت والضّحك على الذّقون انتهت إلى مأزق اليوم قد ينقلب سريعا إلى انفجار واسع ليس من السّهل التّحكم في شضايا نيرانه. فمصلحة البلاد قبل الجهة تقتضي من الحكومة تعديل مقاربتها وضبط أمورها بما ينصف الأهالي من غبن عقود طويلة والعودة سريعا إلى الجادّة بتفعيل مبدأ التمييّز الإيجابي الوارد في الدستور.

فقفصة تحتاج إلى قفصة بالنّظر إلى الخراب الذي طالها، ونسبة 20٪من عائدات مرابيح شركة الفسفاط والمجمع الكيميائي ليست مطلبا تعجيزيا ولا خياليا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

اثنا عشر − 4 =

إلى الأعلى