الرئيسية / صوت الوطن / تونس على خطى لبنان إلى الإفلاس تسير حثيثا
تونس على خطى لبنان إلى الإفلاس تسير حثيثا

تونس على خطى لبنان إلى الإفلاس تسير حثيثا

جيلاني الهمامي

بكل أسف وبكل مرارة نقولها، تونس تسير حثيثا نحو الإفلاس على خطى لبنان الشقيق. هذا ما تؤكده المعطيات الاقتصادية والمالية الراهنة. ففي الأيام الأخيرة (9 جويلية الجاري) راجعت وكالة الترقيم الدولي فيتش رايتينغ تصنيف تونس إلى درجة أقل. ومن المنتظر أن يعقبه تصنيف جديد من الوكالات الأخرى (موديز مثلا) في الأيام القادمة قد يكون أسوأ. في انتظار ذلك الوضع الاقتصادي والمالي بلغ درجة مفزعة تبعث على الهلع.

لقد بنت وكالة فيتش ترقيمها الجديد اعتمادا على جملة من المعطيات الاقتصادية والمالية الدقيقة حيث جاء في تقريرها أنّ “الدخول إلى الأسواق العالمية سيكون صعبا في غياب برنامج مع صندوق النقد الدولي” بعد أن سبق وأن أكّد التقرير على أنّ “الدعم المالي لعديد الشركاء مرتبط بوجود اتفاق مع الصندوق”. هذا ما يعني أنّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أصبح بشكل واضح شرطا ضروريا على الحكومة التونسية التوصل إليه حتى تتمكن من الحصول على تمويلات لسد العجز الذي تعاني منه ميزانية الدولة. وقد قدمت وكالة الترقيم بسطة حول أهم المؤشرات الاقتصادية المؤثرة مثل معدل نسبة عجز الميزانية في السنوات الأخيرة (8%) والهبوط الحاد للاحتياطي من النقد الأجنبي في الأشهر الأخيرة من 9،4 مليار دولار أواخر السنة الماضية 2020 إلى 8،1 مليار دولار ومعطيات أخرى تفصيلية كثيرة فسرت بها – إلى جانب ترتيب تونس على لائحة البلدان التي تتميز بحوكمة ضعيفة وانتشار واسع للفساد وغياب الاستقرار السياسي والاجتماعي – الترقيم الذي منحته لتونس (B-) مع آفاق سلبية.

تعتبر وكالة فيتش في المحصلة المصاعب المالية التي تعاني منها تونس تتجه نحو مزيد التعقيد وأن لا خلاص من ذلك إلاّ بالاتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدولي، الأمر الذي بات شبه ميؤوس منه وبالتالي لن يبقى أمامها غير التوجه إلى “نادي باريس” والخضوع لبرنامج إعادة جدولة الديون بما في ذلك من إكراهات وإملاءات أخرى أكثر قسوة على الاقتصاد التونسي وأشدّ خطرا على مصير البلاد واستقلالية قرارها السيادي.

ويمكن اعتبار ما جاء في التقرير كحوصلة للاستنتاجات السياسية لتقييم الوكالة للوضع الاقتصادي والمالي التونسي. ففي فيفري قال صندوق النقد الدولي إنّ ديون تونس “ستصبح غير قابلة للاستمرار إذا لم يتمّ اعتماد برنامج إصلاح قوي وموثوق به بدعم واسع النطاق”. وفي سيناريو عدم الإصلاح، يمكن أن ينظر إلى تونس في نهاية المطاف على أنها تحتاج إلى علاج من نادي باريس قبل أن تكون مؤهلة للحصول على تمويل إضافي من صندوق النقد الدولي، مع ما يترتب على ذلك من آثار على دائني القطاع الخاص”.

ويبدو أنّ الأشهر القليلة القادمة، من الآن حتى حلول فصل الخريف، ستكون حاسمة، ذلك أنّ الترقيمات التي ستصدر على نفس الوكالة أو عن الوكالات الأخرى (موديز Moody’s، ستندارد أند بورز Standard & Pores، آر اند أي R & I…) ستضع تونس في المرتبة الأخيرة أي في درجة “ج” C أو ما يطلق عليه “Défaut” أي عدم القدرة على الحصول على قروض خارجية وبالتالي إعلان العجز عن سداد الديون. علما وأنّ وكالات الترقيم هذه وعديد المؤسسات الدولية الأخرى يتفقون على أنّ نسبة النمو في تونس ما بين 2021 و2023 لن تزيد عن معدل 3% سنويا وهي نسبة لا تسمح بخلاص الديون الخارجية. بلغة أخرى يكاد يكون إعلان تونس عجزها عن خلاص ديونها أمرا حاصلا ولا مفرّ منه طالت المدة أو قصرت.

وتبدو الحكومة منزوعة الإرادة وفاقدة لأبسط إمكانية للقيام بما من شأنه تلافي هذا المصير. أبسط الإجراءات هي عاجزة عنها. فهي غير قادرة على تقديم ميزانية تكميلية لميزانية السنة الجارية رغم التأكيد على القيام بذلك في غضون السداسي الأول من هذه السنة يوم المصادقة على الميزانية في ديسمبر الماضي. في المقابل من ذلك أصبحت الميزانية التكميلية أكثر من ضرورية وملحّة لأكثر من سبب. فمن جهة عرفت المؤشرات التي بنيت عليها الميزانية (سعر الصرف، سعر البترول الخ…) تقلبات سلبية خلفت ثغرات كبيرة في توازن حسابات هذه السنة. من جهة أخرى بات سقف مداخيل الميزانية (دون احتساب القروض) واضحا وكذلك حجم الدفوعات الاجبارية (خدمات الدّين والأجور). ومع ذلك تتهرب الحكومة من تقديم ميزانية تكميلية لأنها تخشى أن تناقض نفسها بشكل مفضوح سواء في تقديرات حجم الميزانية أو في المؤشرات الكبرى التي ستبني عليها مشروعها التعديلي.

في ظل هذه الأوضاع إلى أين يمكن أن تسير البلاد؟ من الواضح أنّ معالم السيناريو الذي نحن مقدمون عليه بدأت ترتسم. وهي تشير كل يوم أكثر إلى أننا نتجه نفس الوجهة التي سار عليها لبنان الشقيق. إفلاس مالي وانسداد أبواب الاقتراض وتوقعات جدية بالسقوط في حالة “العجز عن تسديد الديون” وعن خلاص أجور العمال والموظفين وانهيار للعملة الوطنية وارتفاع جنوني لنسب التضخم. هذا ما تنبئ به الأوضاع المالية الراهنة وخاصة بعد صدور الترقيم الجديد والاقتراب من المنطقة الحمراء منطقة “ج” C.

وبطبيعة الحال كما هو الحال في لبنان فإنّ الشعب الكادح والفقير هو من سيدفع من جلده فاتورة هذه الوضعية، وهو عاجر هو الآخر عن تسديد أبسط تكلفة بما أنه بلغ آخر خطوط التحمّل. والأكيد أنّ أيّ تدهور جديد في الوضع سيستفز جماهير العاطلين والمهمّشين والمسرّحين من مواطن شغلهم والعائلات الفقيرة وصغار الموظفين وعموم الشباب وسكان الأحياء المنسيّة إلى تفجير غضبهم في وجه الحكومة.

أكثر من مؤشر يشير إلى أننا مقدمون على إفلاس اقتصادي ومالي غير مسبوق وعلى خريف غضب قد يكون مختلفا عما سبقه من فصول الغضب السابقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

1 × ثلاثة =

إلى الأعلى