الرئيسية / صوت الوطن / حصيلة هزيلة وآفاق غامضة
حصيلة هزيلة وآفاق غامضة

حصيلة هزيلة وآفاق غامضة

علي البعزاوي

ندخل اليوم في الأسبوع الثالث من الإجراءات الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس قيس سعيد واستحوذ بموجبها على كل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وكانت محل انتقاد من بعض الأحزاب وعديد الجمعيات والمنظمات والشخصيات.

وبالنظر إلى حالة الأزمة العميقة والشاملة ومخاطر الإفلاس التي تهدد البلاد فإنّ أولوية الأولويات منطقيا هي الإعلان عن رئيس الحكومة الجديد حتى يمضي في تشكيل حكومته وضبط برنامجها والتفرغ للقضايا الحارقة ووضع حد لحالة التدهور غير المسبوق الذي تتحمل مسؤوليته كل مكونات المنظومة بما فيها صاحب الإجراءات الاستثنائية.

لماذ هذا البطء؟
ما يدور في الكواليس هو رفض عديد الشخصيات لمنصب رئيس الحكومة، أولا خوفا من الفشل بالنظر إلى حالة التدهور الذي عليه الوضع الاقتصادي والمالي، إضافة إلى المناخ المتفشي من انعدام الثقة وثانيا رفضا من البعض لتحمل دور العبد المامور أي تولي منصب رئيس وزراء متحكم فيه من قبل رئيس الدولة.
لكن في كل الأحوال ومهما كان سبب هذا التعطل فإنّ عدم الإعلان عن رئيس حكومة إلى حد اللحظة يعتبر تقصيرا كبيرا وإخلالا بالمسؤولية واستخفافا بخطورة الوضع المتأزم.

يدور أيضا في الكواليس أنّ الرئيس قيس سعيد سيلجأ إلى تعيين امراة على رأس الحكومة وسيعلن عن هذا التعيين يوم 13 أوت بمناسبة ذكرى عيد المرأة وبذلك “يضرب عصفورين بحجر واحد: رسالة إلى الداخل تتمثل في القيمة التي يوليها الرئيس للمرأة بتحميلها مسؤوليات مهمة في الدولة، ورسالة أخرى للخارج الهدف منها الحصول على مزيد الدعم والتأييد.

إنّ تعيين امراة على رأس الحكومة القادمة مسألة عادية بالنسبة إلى التونسيين وليست إجراء ثوريا. وكان من المفروض المسارعة بهذا التعيين للأسباب التي سبق ذكرها لأنّ الأولوية هي ضبط الخطط والشروع في اتخاذ القرارات والإجراءات لمعالجة الأزمة وإيقاف التدهور خاصة بعد تصنيف تونس السلبي “ب”3. .لكن يبدو أنّ الرئيس والمحيطين به يفكرون أكثر في الدعاية الإعلامية وكسب الرأي العام حول جزئيات وتفاصيل غير ذي قيمة. والحال أنّ الأولوية القصوى هي للانطلاق في معالجة الأزمة قبل أن تصبح عصية على الحل. ويبدو أنها ستكون كذلك.

حكومة جديدة بأيّ برنامج؟اإ
إنّ مهندسي حكومات المنظومة يسوّقون هذه الأيام لرئيس حكومة “قادرعلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي” (اقرا يتمتع بثقة صندوق النقد الدولي ومستعد لتنفيذ الإملاءات) وعن تشكيلة مصغرة بقطب اقتصادي/ مالي مهم مع ترك المسائل الأمنية والعسكرية ضمن صلاحيات الرئيس… الناطق الإعلامي باسم رئاسة الجمهورية أكد على أهمية رئيس حكومة متعدد الاختصاصات يعتني بما هو اقتصادي واجتماعي وبما هو سياسي أيضا. ومحل ثقة لدى الرئيس (اقرا موالي للرئيس ويعمل تحت امرته كوزير أول).

وبقطع النظر عن اسم وجنس رئيس الحكومة وتشكيلته أ كانت موسعة أم مصغرة فإنّ الأهم على الإطلاق هو برنامجها والتوجهات التي ستعتمدها. وهل ستكون حكومة كسابقاتها وفية للخيارات الرأسمالية المتوحشة وسياسات التقشف التي اعتمدتها حكومات ما بعد 14 جانفي باتفاق مع المؤسسات والجهات المانحة خدمة لمصالح الشركات والمؤسسات والدول الاستعمارية وحفنة من السماسرة المحليين، أم ستكون حكومة إنقاذ حقيقي ببرنامج مستقل عن الإملاءات الالخارجية. برنامج موجه لمعالجة قضايا التنمية الجهوية والمحلية مع توفير الأموال الضرورية لذلك دون المواصلة في سياسة الاقتراض والتداين الخارجي التي رهنت البلاد وأرهقت المالية العمومية. برنامج قادر على تشغيل الشباب من خلال مشاريع تحدثها وتموّلها وتشرف عليها الدولة في القطاعات الاستراتيجية من صناعة وفلاحة وبنية تحتية. برنامج قادرعلى معالجة أزمة القطاعات الخدمية من صحة وتعليم وبيئة وثقافة وغيرها… إلى جانب إصلاح زراعي من شأنه فتح آفاق أمام صغار وفقراء الفلاحين والمعطلين عن العمل.

نعتقد أنّ حكومة الرئيس المنتظرة ستكون كسابقاتها – ربما بوجوه جديدة وشخصيات غير ضالعة في الفساد – لكنها حكومة مستجيبة لتعليمات صندوق الخراب الدولي وملتزمة بنفس الخيارات القديمة. وبمعنى أوضح حكومة ستمضي قدما في الضغط على كتلة الأجور بعدم الزيادة في المرتبات ووقف الانتدابات، وفي تحرير الأسعار ورفع الدعم، وفي مزيد التفويت في المؤسسات العمومية للخواص الأجانب والمحليين، وفي التخفيض في قيمة الدينار المحلي بالقياس مع العملات الأجنبية مع الإبقاء على البنك المركزي مؤسسة خارجة سلطة الدولة مثلما خطط لذلك صندوق النقد الدولي واستجاب الحكم صاغرا.

إنّ هذه الخلاصة هي استقراء لاتجاهات تطور الواقع وفقا لجوهر تفكير وعمل رئيس الدولة الذي يحتكر الحكم اليوم باعتباره جزء لا يتجزأ من منظومة تكرّس التبعية في كل أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلاقات بالخارج والاستغلال والنهب وبيع البلاد. ولا نتصور أنه يمتلك الإرادة السياسية للاجتهاد خارج التيار.
تونس ماضية نحوالأسوأ ما لم يسارع الشعب التونسي إلى تجاوزهذه المنظومة بكل أجنحتها من أجل بديل جديد مكرّس للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وخادم للأغلبية الشعبية وداعم للحريات الفردية والعامة والمساواة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

11 + أربعة =

إلى الأعلى