بقلم جيهان اللواتي
بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على ثورة 14 جانفي 2011 التي انطلقت تحت شعار “شغل حرية كرامة وطنية” يواجه المجتمع التونسي منعطفاً بنيوياً خطيرا يهدد أسس العقد الاجتماعي الذي سعى التونسيون والتونسيات إلى بنائه بتضحيات جسيمة نجحت سنوات التأسيس الديمقراطي من ضمان حرية التعبير والمساواة والكرامة الإنسانية، لكن هذه المكتسبات تتعرض اليوم لتآكل ملحوظ في أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية. لم يعد الاختلاف في الرأي الذي يشكل جوهر أي ممارسة ديمقراطية حقيقية أداة للإثراء الفكري والحوار البناء بل تحول إلى وقود يغذي العداوة الشخصية والجماعية مما أدى إلى تصاعد مقلق لظاهرة خطاب الكراهية التي أصبحت ظاهرة هيكلية وليست مجرد انفعالات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي.
في أدبيات علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي يُعرَّف خطاب الكراهية بأنه سلوك رمزي يحرض على التمييز أو العنف أو الإقصاء ضد الأفراد أو المجموعات بناءً على خصائص هوية محددة سواء كانت عرقية أو دينية أو جنسية أو جهوية أو سياسية، وفي السياق التونسي المعاصر لم يعد هذا الخطاب مجرد تعبيرات فردية بل أصبح أداة سياسية موثقة من قبل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية منذ عام 2023 على الأقل.
استهدف هذا الخطاب بشكل مباشر ومنهجي فئات هشة في الفضاء العام: المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء الذين واجهوا موجات عنف عنصري وترحيل جماعي مغلف بخطاب تحريضي رسمي وبرلماني والناشطات النسويات ونشطاء المجتمع المدني الذين يتعرضون للعنف الرقمي الممنهج والتشويه المتعمد والمعارضين السياسيين الذين باتوا هدفاً للاستقطاب الحاد في ظل تضييق الفضاء العام وانكماش هامش الحريات.
في هذا السياق صدرت تصريحات ذات طابع عنصري عن أحد النواب تحت قبة البرلمان أسهمت في تعميق الأزمة السياسية والاجتماعية وعززت خطاب الكراهية مما أثار موجة واسعة من الاستياء الشعبي والسياسي وصلت حدّ المطالبة برفع الحصانة البرلمانية عنه.
هذه التصريحات لا يمكن اعتبارها مجرد زلة لسان فردية بل هي انعكاس لبنية ذهنية تقليدية متخلفة يُعاد إنتاجها داخل المؤسسة التشريعية وتغذي أنماطاً من الخطاب الإقصائي الموجّه ضد النساء والمهاجرين على حدّ سواء وهو خطاب يتناقض بصورة جذرية مع المبادئ الدستورية وقيم الثورة التي أرست أسس المساواة والعدالة الاجتماعية وأكدت على رفض كل أشكال التمييز.
لا يمكن فصل تنامي خطاب الكراهية عن السياق السياسي والتشريعي الراهن حيث أدى الاستقطاب الحاد الذي تعمق بعد 25 جويلية 2021 إلى انكماش الفضاء العام وتراجع هامش الحريات وتضييق على المجتمع المدني والإعلام المستقل، برز المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال كعامل محوري في هذا التآكل خاصة فصله 24 الذي يتضمن صياغات فضفاضة حول “نشر أخبار زائفة” أو “الإضرار بالأمن العام”، تحول هذا المرسوم إلى أداة لتجريم الرأي النقدي وملاحقة الصحفيين والناشطين والسياسيين والمواطنين.
حذرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مراراً من أن هذا المرسوم يخلق مناخاً من “الرقابة الذاتية” يعيق الإعلام عن أداء دوره الرقابي والتوعوي ويُستخدم لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من مواجهة الجرائم الإلكترونية الحقيقية بعد ثلاث سنوات ونصف على صدوره أصبح المرسوم سيفاً مسلطاً على الحريات مما ساهم في تراجع تونس في تصنيفات حرية الصحافة.
إلى جانب العامل السياسي والتشريعي تتضافر محركات أخرى عميقة تساهم في تفاقم الظاهرة.
أولاً فقاعات الصدى الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تعزز الخوارزميات المحتوى العاطفي والصدامي والمثير للكراهية مما يسرع من انتشار الشائعات والتحريض.
ثانياً الأزمات الهيكلية المزمنة: البطالة المرتفعة والتضخم المتفاقم والفوارق الجهوية الصارخة والانهيار الاقتصادي الذي يدفع السلطة إلى البحث عن “كبش فداء” ليتمّ توجيه الغضب الشعبي نحو المهاجرين أو المعارضين أو “الآخر” بدلاً من مواجهة الجذور الحقيقية للأزمة في سياسات اقتصادية فاشلة وفساد منظم.
ثالثاً يضع هذا الخطاب الدولة التونسية في صدام مباشر مع التزاماتها الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري مما يعرضها لانتقادات لاذعة من لجان الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.
في هذا السياق المتدهور يبرز الإعلام المهني المستقل ليس كمتفرج سلبي بل كفاعل اجتماعي حاسم في إعادة صياغة الوعي المجتمعي وبناء ثقافة ديمقراطية حقيقية فالديمقراطية تفقد جوهرها حين تعجز عن إدارة الاختلاف بالحوار البناء والتفكيك العقلاني.
تقع على عاتق الصحفيين والصحفيات مسؤولية وظيفية ثلاثية:
أولاً التفكيك العقلاني لآليات انتشار الأخبار المضللة والشائعات التي تغذي الكراهية.
ثانياً بناء الثقافة السياسية من خلال تعزيز قيم المواطنة المتساوية وإبراز قصص التعايش الإيجابية التي تظهر إسهام كافة المكونات في نسيج المجتمع التونسي المتعدد.
ثالثاً الدفاع عن الفئات المهمشة وعدم السكوت عن التمييز أو الانخراط في الاستقطاب الذي يجعل الإعلام شريكاً في التدهور الاجتماعي.
كما بادرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في بيانها الصادر يوم 20 أفريل 2026 بمتابعة التطورات وأكدت أن “خطابات الكراهية والعنصرية ليست وجهة نظر” وحذرت النقابة من مخاطر الانزلاق نحو تبني أو ترويج مثل هذه الخطابات وباشرت عبر وحدة الرصد توثيق الاعتداءات والتحريض الرقمي مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية كما أطلقت برامج تكوين متخصصة للصحفيين حول مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التغطية المهنية لملفات الهجرة.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية والزجرية الضيقة نحو مقاربة حقوقية وتربوية واقتصادية عميقة.
أولاً دعم استقلالية الصحافة من خلال تطوير مدونات سلوك أخلاقية واضحة وإنشاء منصات مستقلة للتحقق من الحقائق وإلغاء المرسوم 54 بما يحمي الحريات.
ثانياً إصلاح تربوي جذري يدمج قيم حقوق الإنسان ومخاطر خطاب الكراهية وثقافة التعايش في المناهج التعليمية والجامعية لبناء جيل محصن ضد الفكر الإقصائي.
ثالثاً حوار مجتمعي شامل يجمع القوى الديمقراطية والنقابية والمدنية والسياسية لوضع استراتيجية وطنية تحمي حرية التعبير دون المساس بكرامة الفئات الضعيفة وتعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمة.
إن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات عابرة أو آراء شخصية بل هو معول يهدم أسس الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية. فكما أثبتت ثورة 2011 قدرة الشعب التونسي على مواجهة الاستبداد فإن مواجهة هذا التآكل اليوم تتطلب شجاعة جماعية في مواجهة الذات وإعلاماً حراً مهنياً يضع الحقيقة وحقوق الإنسان فوق الحسابات السياسية الضيقة وتضامناً نقابياً وشعبياً واسعاً يعيد بناء العقد الاجتماعي على أساس الكرامة والمساواة والعدالة.
تونس أرض إفريقية بامتياز إن حمايتها من تآكل العقد الاجتماعي مسؤولية مشتركة تتطلب منا جميعاً صحفيين ونقابيين ونشطاء وسياسيين ومواطنين أن نرفع الصوت عالياً. فالكراهية ليست حرية تعبير والعنصرية جريمة ضد الإنسانية والديمقراطية الحقيقية تبنى بالحوار لا بالتحريض.
صوت الشعب صوت الحقيقة
