الرئيسية / أقلام / بقلم منير الفلاح: زوووووووم.. السياسات الخرقاء سوء تصرف بامتياز…
بقلم منير الفلاح: زوووووووم.. السياسات الخرقاء سوء تصرف بامتياز…

بقلم منير الفلاح: زوووووووم.. السياسات الخرقاء سوء تصرف بامتياز…

منير الفلاح ناقد سينمائي

منير الفلاح ناقد سينمائي

لمّا كثر الحديث حول تعيين أحدهم على راس المركز الوطني للسّينما و الصّورة،تعالت أصوات أهل المهنة مندّدة بهذا الإختيار معتبرة أنّ هذا الشّخص جرّب وهو غير قادر على تقديم الإضافة المرجوّة ….
وقيل ساعتها انه يكفي النّظر بإمعان لواقع السّينما انتاجا و استغلالا و توزيعا و ثقافة لنكتشف الحالة المتردّية التي وصل اليها هذا القطاع من جرّاء السّياسات الخرقاء للإدارة على مدار الثلاثين سنة الماضيّة…
و لو امعنا النظر في مسالة الثّقافة السّينمائيّة المطلوب إرساءها في المؤسّسات التابعة للوزارة من دور الثقافة و المراكز الثقافيّة التّي تعدّ بالميئات و الموجودة في كامل تراب الجمهوريّة لما تاكدنا من صحة تخوفات اهل المهنة و احترازاتهم حول هذا التعيين…
فهل كان هناك تصور واضح المعالم في ارساء ثقافة سيتيمائية في البلاد؟و هل كانت هناك برمجة مخطّط لها من طرف الإدارة في هذا الإتّجاه؟و هل كانت هذه الادارة مهيّأة للقيام بمثل هذه الأنشطة السينمائيّة؟
أسئلة أطرحها و سأحاول الإجابة عنها بكلّ وضوح معتمدا على معاينتي للمسألة من موقعي كمسؤول ثقافي سابق، و أحد الكوادر القياديّة لحركة نوادي السّينما لسنوات عدّة، و أيضا كمدير مجلّة سينمائيّة مختصّة تابعت هذا الشأن عن قرب…
البداية ستكون بالرّصيد السينمائي التابع لخزينة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة ،هذه الخزينة التي كانت في فترة ما من اهمّ المزوّدين للأنشطة الثقافيّة السّينمائيّة بالمادة الفيلميّة ايّام المرحومين النّوري الجنزوري و محمّد بوصرّة…
و أذكر انّنا في جامعة نوادي السّينما كنّا نتحصّل بصفة دوريّة على مجموعة من الأشرطة من عيار 35 و16 مم نوزّعها على نوادينا لمدّة ثلاث أشهر ثمّ نعيدها للوزارة و نتحصّل على غيرها…نفس العمليّة كانت تقوم بها منظمة الشّبيبة المدرسيّة و بعض دور الثّقافة…
و كانت هذه الخزينة تتجدد بشراءات تقوم بها الوزارة بمناسبة ايّام قرطاج السّينمائيّة و بهبات من البعثات الدّيبلومسيّة و غيرها …و كانت عمليّة الإقتناء تعتمد بالأساس على جودة المادة الفلميّة من حيث مواضيعها و حملها لتوقيع مخرجين عالميين كبار…
و مع التّراجع الذي عرفته نوادي السّينما و إنقطاع الأنشطة السّينمائيّة للشبيبة المدرسيّة و عدم اكتراث دور الثقافة بالمادة السّينمائيّة كوسيلة للتنشيط الثّقافي لم نشاهد حرصا من الإدارة المسؤولة على هذا القطاع لإعادة الرّوح للثّقافة الفيلميّة العمود الفقري للحياة السينمائيّة في البلاد مع تركيز مشبوه على قطاع الإنتاج فقط…
و حتّى لا أنعت بعدم الموضوعيّة في تشخيصي للمسألة لا بدّ من ذكر محاولتين يتيمتين تمّت في تلك الفترة لتحريك قطاع الثّقافة السّينمائيّة،الأولى قام بها السّينمائي علي العبيدي لمّا ترأس إحدى مصالح إدارة السّينما و سمّاها “المحطّات السّينمائيّة” و كان يقوم بها بالتّنسيق مع إدارة التنشيط الثّقافي و تشتمل على عرض مجموعة من الأفلام تتمحور حول موضوع معيّن يتمّ بثّها في دور الثّقافة لإحدى المندوبيّات الجهويّة ثمّ تشفع بلقاء مع أحد المخرجين او النّقاد حول الموضوع العام لهذه الأفلام المعروضة…
و التجربة الثانيّة قام بها الرّفيق منذر القرقوري اللّه يرحمه لمّا كان مديرا مساعدا بنفس الإدارة حيث جمّع الأفلام المتوفّرة بالخزينة في محاور و صاغ ورقات فنيّة لها و أقترحها على المندوبيّات الجهويّة لتبرمجها في شكل تظاهرات سينمائيّة…
هذه التجارب بقت محدودة لعدم تحمّس القائمين على المندوبيّات و دور الثّقافة لأنّها للم تكن تدخل في مجال إهتمامتهم الثّقافيّة في تلك الفترة..
بعد التّخلّي على مؤسسة السّاتباك و خوصصة القطاع السّينمائي كان لا بدّ على الدّولة أن تضمن وجود الفيلم الثّقافي و أفلام فن و تجربة في الأسواق..
و قامت الوزارة في مرحلة أولى بشراء هذه النّوعيّة مباشرة من الموزّعين الخواص من ضمن الرّصيد المتوفر عندهم لانّهم كانو مجبرين على إقتناء عشرة في الميّة من الأفلام المرخّص لهم بإستيرادها من هذه النّوعيّة… ثمّ قامت الوزارة بإقتناء أفلام أخرى خاصة بالتوزيع الثّقافي عن طريق موزعين آخرين اختصّوا في هذه النوعيّة من الأفلام…
و الغريب في الأمر أنّ الوزارة في تلك الفترة اشترت العديد من هذه الأفلام لكنّها لم تكن لها إستراتيجيا خاصة بتوزيعها و إستغلالها في برامج تصاغ للغرض…و بقيت هذه الأفلام حبيسة الأدراج لعدم توفّر مناسبات عرضها في المؤسسات الثقافيّة للاسباب التي شرحتها سابقا…
و الخطير انّ هذا الرّصيد الضّخم من الأفلام هو اليوم معرّض للإتلاف لوجوده في مكان غير مهيئ علميّا لحفظه بعد تحويل مقرّ خزينة الأفلام لمكان يحتضن جهاز المكيّف العام للوزارة…
و هنا أفتح قوسا ،فالمختص في البناءات في الوزارة لم يجد الّا مقرّ الخزينة لتركيب الجهاز الضخم للتكييف…و بذلك حكم على الذاكرة السينمائيّة الجماعيّة بالإتلاف لينعم الإداريّون بالرّاحة و الرّفاهة…هذه العقليّة ليست خاصة بوزارة الثّقافة ففي مؤسسة الإذاعة و التلفزة في التّسعينات من القرن الماضي تمّ إخلاء مخابر افلام 16 مم و إتلاف الرّصيد و الآلات الموجودة بها لتوفير مكاتب إضافيّة للإدارة الفنيّة…فمسألة الذّاكرة الجماعيّة و حفظها غير واردة في ذهنيّة إداراتنا الموقّرة…
و أذكر أنّي أشرت في إجتماع المندوبين مع الوزير السّابق سي مراد الصّكلي على ضرورة حفظ هذه الأفلام في ضروف طيّبة أو تسليمها للجامعة التونسيّة لنوادي السينما لإستغلالها…
و الغريب في سياسة الإدارة في مسألة التثقيف السّينمائي انّها تقف في حدود عقد صفقات الشّراء،لكن ما بعد ذلك لا نجد استراتيجيّات استغلال لهذه المشتريات في الإتجاه الأنجع و الأسلم ..
هذا في مجال البرمجة اما في مجال التجهيز فساتطرّق الى الخزعبلات التي تمّت في تلك الفترة و إعتمدت على نظريّة العنايّة بنقاط العرض السّينمائيّة في دور الثّقافة و تجهيزها بآلات جديدة عيار35 مم في صفقة تشيكيّة في مرحلة اولى ثمّ في صفقات جديدة مع شركات أخرى و تمّ تجهيز العديد من الدّور بهذه الآلات قصد توفير الضروف الملائمة للفرجة تعويضا للنّقص الحاصل بعد غلق العديد من دور العرض التّجاريّة…
و تمّ نشر هذه الآلات في غالب المركّبات الثقافيّة و في العديد من دور الثّقافة في كافة أصقاع الجمهوريّة، لكن بالمقابل لم تقم الإدارة بتوفير الأعوان المختصّين في تشغيلها و لا الإطار المنشّط الملم بأصول البرمجة السّينمائيّة …
و بقيت هذه الآلات رابضة في مكانها ينخرها السّوس و تعطلت معضمها بدون ان تشتغل …
و الأمثلة هنا كثيرة و في كلّ ولايات الجمهوريّة(الحنشة ،غار الملح،بنزرت،باجة،الخ….)…
و لم يكفهم سوء التّصرف هذا فكرّروا العمليّة بشراء آلا ت عرض سينمائيّة أخرى على عدد ولايات الجمهوريّة لم تشتغل و لو مرّة…
فبالرّغم من انّ آلات العرض 35 مم التّي تمّ تركيزها في عديد المؤسّسات الثّقافيّة لم تقم بالدّور المناط بعهدتها فإنّ السّاهرين على ملف السّينما إرتأوا
تعزيز هذا الأسطول العاطل عن العمل بآلات إضافيّة من عيار 35 مم متنقّلة…
و تمّ التّنظير لذلك بأنّ هذه الآلات ستكون متحرّكة و تصل للمواطن في أي مكان هو موجود فيه و تصبح السّينما مشاعة و متوفّرة في الأحياء و القرى النّائية.
و تمّ شراء جملة من الآلات بأموال طائلة و تمّ توزيعها على المندوبيّات دون توفير العون المختصّ بتشغيلها و وسيلة النّقل الخاصة بها ليسهل نقلها من مكان لآخر في نفس الولاية…
و بقيت هذه الآلات مركونة في دهاليز المندوبيّات ينخرها السّوس و أغلبها اليوم غير صالح للإستعمال ..
من هو المسؤول على إهدار هذه الأموال؟ و لماذا لم تتّعظ الإدارة المسؤولة من فشل صفقة الآلات القارة التي هي ايضا بقت عاطلة؟
أسئلة نطرحها بمرارة و نحن نشاهد يوميّا غلق القاعات التّجاريّة و إنحسار مجال الفرجة السّينمائيّة…
و في نفس هذا السّياق و مواصلة للسّياسة الإرتجاليّة في ميدان الثّقافة السّينمائيّة تمّ التنظير لصفقة اخرى انطلاقا من رؤية تعتبر انّ سينما عيار 35 مم قد تمّ التخلّي عنها عالميّا و انّ الإنتاج السّينمائي أصبح يعتمد بالأساس على التقنيّات الحديثة و بالتّالي وجب تزويد المؤسسات الثّقافية بآلات فيديو شاشة كبرى مؤكدين على توفّر المادة الفيلميّة بغزارة في أقراص مضغوطة ..
و بجرّة قلم تمّ التّخلّي عن رصيد فيلمي من التّراث السّينمائي العالمي موجود بخزينة الأفلام و الإستغناء عن تجهيزات متوفّرة بالمؤسّسات الثّقافيّة تكلّف شراءها أموالا طائلة..
و تمّ تجهيز كلّ الفضاءات بهذه الآلات الحديثة و ترك مجال إستغلالها للمسؤولين على دور الثّقافة و لم تقم الإدارة المسؤولة بتقديم تصوّر لبرنامج في التثقيف السّينمائيّ و لم تقدّم قوائم في الأفلام الممكن برمجتها …
هذه خواطر قدّمتها لأبيّن انّ سوء التصرّف يمكن ان يكون ايضا بهدر أموال الدّولة ببرامج وتصوّرات عشوائيّة رافقت مسيرة الحياة السينمائيّة لمدّة الثلاثين سنة الفارطة في ميدان التثقيف السينمائي.
منير الفلاح…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×