أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / احذروا، فالمستعدّ للشيء تكفيه أضعف أسبابه
احذروا، فالمستعدّ للشيء تكفيه أضعف أسبابه

احذروا، فالمستعدّ للشيء تكفيه أضعف أسبابه

جيلاني الهمامي

المعطيات الأخيرة في الساحة السياسية التونسية تنبئ باتجاه البلاد نحو مآلات من نوعية جديدة. هذه المعطيات تؤكّد أكثر فأكثر حالة التعفن التي عليها الأزمة السياسية في تونس. والواضح أن لا أمل في التخفيف من حدّة الصراع بين الأطراف الثلاثة المتصارعين في القمة قيس سعيد من جهة والنهضة والمشيشي من جهة أخرى. والمتأكد أكثر فأكثر هو أن لا أمل في تسوية هادئة بينهم.

الجديد منذ مدة هو السرعة التي دخل فيها نسق التصعيد بينهم. في هذا التصعيد تدرّج المتصارعون الثلاث في استخدام الأدوات التي يعتقد في فاعليتها لحسم الصراع. جرى التعويل في مرحلة أولى على الأدوات الدستورية وبالأخص على المحكمة الدستورية. غير أنه تبيّن بعد فترة من الزمن أنّ هذه الأداة تجاوزها الصراع وما عادت تفيد في شيء بعد ما حصل في المجلس وفي قصر قرطاج بخصوص قانون المحكمة الدستورية. لذلك اتجهت الأنظار إلى البحث عن أسلحة سياسية متعددة تمّ استخدامها في الداخل وفي علاقة بالقوى الأجنبية في أوروبا وأمريكا والخليج العربي.

في هذا الإطار اتخذت الحملة الدعائية والدعائية المضادة لمعسكري الصراع نبرة حادّة توحي باستعداد كل منهما لاستخدام العنف والقوة والسلاح لمواجهة خصمه. ونتذكّر في هذا الصدد خطاب الرئيس قيس سعيد يوم 18 أفريل وردود فعل حركة النهضة (تصريح عبد الكريم الهاروني) التي تحيل كلها على أنّ ذلك المعجم الحربي هو مقدمات لطور جديد من الأزمة السياسية وإمكانية انحرافها إلى مواجهة عسكرية. ولم تهدأ هذه الحملة إلا لتندلع حملة جديدة على إثر تسريب وثيقة موجهة من مصدر غير معلوم إلى رئيس الدولة يحثّه على التعجيل بانقلاب دستوري بتفعيل الفصل 80 من الدستور وباتّخاذ سلسلة من الإجراءات لإنقاذ البلاد ممّا تردّت فيه.

وأعطت هذه الوثيقة إشارة انطلاق جدل واسع حول “خطر الانقلابات”. وفي هذا الجدل ظهرت مبادرات سياسية صادرة عن عسكريين قدامى انخرطت بشكل أو بآخر في التجاذبات الجارية بين أقطاب السلطة. الخطير في الأمر هو أنّ هذه المبادرات فتحت الباب لدخول المؤسسة العسكرية، وإن عبّر أصحاب رتب عليا خارج الخدمة، معترك الأزمة السياسية وبذلك وفرت المبرر المقنع، شيئا ما، للاعتقاد في أنّ احتمال اللجوء إلى الانقلاب العسكري أصبح فكرة رائجة ومرغوبة لدى البعض بما أنّ الآليات الدستورية والمؤسساتية والسياسية باءت كلها بالفشل وعجزت عن فضّ الاشتباك بين قصور الحكم في كل من باردو والقصبة وباردو. وحصلت القناعة لدى أوساط تزداد اتساعا بضرورة مراجعة مقولة “حيادية المؤسسة العسكرية”. وقد أثبتت الأوضاع في تونس منذ 2011 أنه كلما اشتدت الأزمة السياسية إلاّ وتدخلت المؤسسة العسكرية في النزاعات التي تشهدها الساحة. ونذكر هنا الدور الذي لعبه الجيش التونسي، ممثلا في الجنرال رشيد عمار طوال سنة 2011 وأثناء الانتخابات وفي الموجات الاحتجاجية التي شهدت تونس شتاء كل سنة تقريبا. ومما لا شك فيه أنّ الجنرالات الذين أدلوا بدلوهم مؤخرا في الأزمة السياسية لهم صلات وتأثير واعتبار في الجيش التونسي. وهم يعكسون بلا شك اتجاهات التفكير الكبرى داخل هذه المؤسسة.

إنّ الخطاب التصعيدي وخطاب التهديد “العسكري” في فترة سابقة ثم التسريبات الأخيرة والحديث عن “الانقلابات العسكرية” يعكسان بقوة مدى التعفن الذي بلغه الصراع بين أقطاب الحكم من جهة يمثلان مقدمات لمسارات قادمة ينطوي على مخاطر حقيقية تهدّد أمن الناس وسلامة الحياة العامة.

وكما سبق أن نبّهنا إلى هذه المخاطر ودعونا الأحزاب والمنظمات ومكونات المجتمع المدني وعموم المواطنين إلى ضرورة التفطن مبكرا إلى الاتجاه الذي يدفع إليه أقطاب الحكم المتصارعين فإننا نجدد الدعوة إلى التنبيه إلى إمكانية دخول البلاد مسار الانقلابات والقضاء المبرم على أبسط مكتسبات الثورة وهي حياة سياسية شبه عادية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

11 − 7 =

إلى الأعلى