الرئيسية / صوت الوطن / حين يعطش الشعب تسقط كل التبريرات
حين يعطش الشعب تسقط كل التبريرات

حين يعطش الشعب تسقط كل التبريرات

بقلم زهير الزويدي

في النهاية لا يمكن لسلطة أن تطلب من شعبها الصبر إلى ما لا نهاية بينما تتسع معاناة الفقراء ويُترك المواطن وحيدا في مواجهة العطش وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات. فالسلطة التي تعجز عن ضمان الماء لشعبها لا تستطيع أن تختبئ إلى الأبد خلف الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والأعطاب والظروف الطارئة لأن الأزمات الطبيعية لا تعفي أصحاب القرار من مسؤولياتهم السياسية. فالماء ليس منّة من الحاكم وليس هبة من الدولة وليس سلعة لمن يملك المال، إنه حق للشعب وثروة وطنية ومن واجب السلطة أن تضمنه بعدالة وأن تحميه من التلوث والاستنزاف والهدر وأن تستثمر في مستقبله بدل إدارة العطش بالبيانات والتبريرات. وإذا كان الفقر يجعل المواطن عاجزا عن شراء الماء فإن استمرار هذه السياسة يعني أن السلطة لا تدير أزمة مائية فقط بل تعمق الفوارق الطبقية وتدفع الفئات الشعبية إلى دفع ثمن فشل لم تصنعه.

لذلك فإن معركة الماء هي بالأساس معركة كرامة ومعركة عدالة اجتماعية ومعركة دفاع عن المرفق العمومي والثروة الوطنية فالشعب يريد استثمارا عموميا لا مزيدا من تهميش المؤسسات العمومية ويريد عدالة في توزيع الثروة والماء بين الجهات والفئات لا تونس يُسقى فيها القادر ويعطش فيها الفقير.

ومن حق الشعب أن يسأل ومن واجبه أن يحاسب وأن يرفض أن يتحول العطش إلى قدر مفروض عليه فحين يجف الماء في بيت الفقير لا تجف المسؤولية السياسية للسلطة وحين يعطش الشعب لا يمكن أن تطلب منه السلطة أن يصمت فالماء حق وليس سلعة والكرامة حق وليست منّة.

والثروة ثروة الشعب وليست غنيمة للمتنفذين. أما سلطة تجعل الشعب يعطش ثم تطالبه بالصبر فعليها أن تدرك أن الصبر الشعبي ليس شيكا على بياض وأن للغضب حدودا وأن الشعوب حين تُحرم من أبسط حقوقها لا تبقى إلى الأبد متفرجة على من يدير فشلها. ستبقى معركة الماء جزءا من معركة الشعب من أجل الحرية والعدالة والتغيير.

الماء ليس سلعة… العطش وجه آخر لسياسات السلطة

لم تعد أزمة الماء في تونس مجرد اضطراب عابر في التزويد أو نتيجة ظرف مناخي استثنائي بل أصبحت مرآة تكشف عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب فحين ينقطع الماء عن الأحياء الشعبية والقرى والأرياف بالساعات والأيام وحين يجد المواطن نفسه مضطرا إلى شراء الماء بأسعار تثقل كاهله فإننا لا نكون أمام مجرد عطب في شبكة التوزيع وإنما أمام أزمة في خيارات الدولة وفي طريقة إدارة ثروة يفترض أنها ملك للشعب ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية حكاية شعب لا يطلب المستحيل وإنما يطالب بحقه في الماء وبحقه في العيش بكرامة، لكن السلطة بدل أن تتعامل مع الماء باعتباره حقا أساسيا تكتفي في كل مرة بالتبرير والوعود وتحميل الظروف الطبيعية مسؤولية أزمة تراكمت سنوات طويلة.

العطش له لون طبقي

الماء حق وليس امتيازا ولا سلعة فاخرة ولا منّة من السلطة على المواطنين لكن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتعاقبة دفعت بهذا الحق شيئا فشيئا نحو منطق السوق وجعلت المواطن يدفع أكثر مقابل الحصول على أبسط شروط الحياة بينما تتراجع الدولة عن دورها الاجتماعي وتترك الفئات الشعبية تواجه وحدها نتائج الفشل والتهميش وهنا تظهر الطبيعة الطبقية لأزمة الماء فحين ينقطع الماء لا يعاني الجميع بنفس الدرجة فالعائلة الشعبية التي تعيش بدخل محدود لا تستطيع شراء كميات كبيرة من المياه ولا تملك خزانات وتجهيزات بديلة بينما يستطيع الميسور شراء الماء وتخزينه وتجاوز الأزمة بأقل الأضرار وهكذا يصبح الفقر في تونس سببا إضافيا للعطش كما يصبح العطش نفسه شكلا من أشكال إعادة إنتاج الفقر ولذلك فإن الحديث عن أزمة الماء دون الحديث عن الفقر والبطالة وتفاوت الثروة والجهات هو حديث ناقص لأن الماء مثل بقية الخدمات الأساسية يكشف دائما من يدفع الثمن ومن يملك القدرة على تجاوز الأزمات.

الفلاح الصغير يدفع الفاتورة

ولا يتوقف الأمر عند العائلات فالفلاح الصغير يجد نفسه في قلب الأزمة أيضا فندرة المياه وارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع الموارد المائية تهدد مصدر رزقه وتدفع العديد من صغار الفلاحين إلى التخلي عن أراضيهم أو تقليص نشاطهم في الوقت الذي تستمر فيه الاختلالات في التصرف في الموارد المائية وهنا تبرز الحاجة إلى سياسة مائية عادلة لا تنظر إلى الماء باعتباره مجرد مورد اقتصادي وإنما باعتباره ثروة وطنية وحقا جماعيا يجب أن يخضع لمبدأ العدالة الاجتماعية وأن تكون الأولوية للأمن الغذائي وحماية صغار الفلاحين بدل ترك الموارد رهينة منطق الربح والمضاربة.

السلطة لا تستطيع الاختباء وراء الجفاف

من السهل على السلطة أن تقول إن الجفاف هو سبب الأزمة ومن السهل أيضا أن تطلب من المواطن الاقتصاد في استهلاك الماء لكن الصعب هو أن تقدم حسابا سياسيا عن سنوات كاملة من السياسات والخيارات. فالجفاف ظاهرة طبيعية لكن تحويل الجفاف إلى أزمة اجتماعية بهذا الحجم ليس قدرا طبيعيا وحده بل هو نتيجة أيضا لغياب التخطيط وضعف الاستثمار وتآكل البنية التحتية وغياب الحلول الجذرية فالدولة التي تعرف منذ سنوات أن تونس تواجه شحا مائيا كان عليها أن تستثمر في تجديد الشبكات وتطوير التحلية وتجميع مياه الأمطار وإعادة استعمال المياه المعالجة وحماية الموائد المائية ومقاومة التلوث والاستنزاف وأن تضع سياسة وطنية طويلة المدى بدل انتظار كل صيف ثم البحث عن تبريرات جديدة.

المرفق العمومي في مواجهة منطق الربح

إن أزمة الماء تكشف كذلك خطورة ضرب المرفق العمومي وإضعاف المؤسسات التي يفترض أن تضمن الخدمات الأساسية للمواطنين فالماء والكهرباء والصحة والتعليم والنقل ليست سلعا عادية يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق الربح والخسارة وإنما هي حقوق اجتماعية وجزء من مسؤولية الدولة تجاه شعبها ومن هذا المنطلق فإن الدفاع عن المؤسسات العمومية وعن العاملين فيها لا يعني الدفاع عن سوء التصرف أو التقصير بل يعني الدفاع عن حق المجتمع في خدمات عمومية قوية وفعالة وعن ضرورة توفير الموارد البشرية والمادية التي تمكن هذه المؤسسات من أداء دورها.

من يدفع ثمن الأزمة؟

السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا ينقطع الماء وإنما من يدفع ثمن هذا الانقطاع؟ إنه المواطن البسيط الذي يشتري الماء من ماله الخاص والعائلة التي تضطر إلى تخزينه والفلاح الذي يخسر جزءا من محصوله والعامل الذي يعود إلى منزله ولا يجد الماء والمرأة التي تتحمل في كثير من الأحيان العبء الأكبر في توفير حاجيات الأسرة وفي المقابل فإن أصحاب القدرة المالية يستطيعون شراء المياه وتخزينها وتأمين حاجياتهم بوسائل مختلفة لذلك فإن أزمة الماء ليست محايدة اجتماعيا إنها أزمة تضرب الفئات الشعبية أكثر من غيرها وتعمق الفوارق القائمة أصلا

الماء قضية عدالة اجتماعية

إن معركة الماء ليست قضية تقنية فقط بل هي جزء من معركة العدالة الاجتماعية والدفاع عن حق الشعب في ثرواته. فالمطلوب ليس أن يتحول الماء إلى امتياز لمن يستطيع الدفع وإنما أن تضمن الدولة وصوله إلى الجميع بنفس الحق وبنفس الكرامة وأن تعطى المناطق الداخلية والريفية والأحياء الشعبية نصيبها العادل من الاستثمار العمومي كما أن مقاومة الهدر والتلوث والاستنزاف يجب أن تكون مسؤولية الدولة قبل أن تكون مسؤولية المواطن وأن يقع التصدي لكل أشكال الفساد وسوء التصرف وكل السياسات التي تجعل الثروة المائية عرضة للاستغلال غير العادل.

من العطش إلى المحاسبة

لقد آن الأوان للخروج من منطق البيانات التي تطلب من الشعب الصبر ومنطق التبريرات الموسمية التي تعيد إنتاج نفسها كل صيف فالشعب لا يريد خطابات عن الأزمة بقدر ما يريد حلولا ويريد أن يعرف من يتحمل المسؤولية عن تدهور الخدمات وعن تعطيل المشاريع وعن هشاشة البنية التحتية وعن غياب سياسة مائية واضحة والمحاسبة هنا ليست شعارا سياسيا فقط بل ضرورة حتى لا تتحول الأزمات إلى وضع طبيعي وحتى لا يصبح الفشل الإداري والسياسي بلا ثمن.

إلى الأعلى
×