بقلم علي البعزاوي
إن المتتبع للوضع العام في تونس وللمشهد الاقتصادي والاجتماعي تحديدا يدرك دون عناء أن هناك أزمة وأن هذه الأزمة تفاقمت على مرّ السنين غير عابئة بالتغيرات الحاصلة على مستوى السلطة.
الأزمة كانت سببا في سقوط بن علي تحت ضغط الشارع المنتفض. ونفس الأمر حصل مع حركة النهضة حيث استغل الرئيس قيس سعيد الأوضاع المتأزمة للقيام بانقلاب في 25 جويلية 2021 ونجح في ذلك دون مقاومة جدية لأن الأزمة كانت سببا وجيها يبرر الانقلاب من وجهة نظر الأغلبية المتضررة من الأزمة. واليوم تعيش البلاد على وقع أزمة أعمق وأشمل وربما تكون بدورها سببا في رحيل/سقوط قيس سعيد. لقد تعددت المنظومات لكن الأزمة استمرت.
هنا يطرح سؤال هام حول السبب الحقيقي لتواصل الأزمة رغم تعدد وتنوع سلطات الحكم. وهل يعقل أن تفشل كل هذه المنظومات في معالجتها وإيجاد الحلول الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها؟
هل الأزمة أزمة حكومات/حكم؟
في عهد الفاشية النوفمبرية تعددت الحكومات وتنوعت البرلمانات وضمت في بعض الفترات نوابا ينتمون للمعارضة الكرطونية، واستمرت المحطات الانتخابية في مواعيدها وضبطت البرامج الاقتصادية والميزانيات ووضعت الأموال على الذمة رغم أن المشهد كان يؤكد ان هناك لونا واحدا وسلطة واحدة تحكم البلاد. لكن الأزمة تواصلت واشتدت خاصة في السنوات الأخيرة لحكم بن علي. في تلك الفترة كانت القناعة العامة تتركز على فساد العائلة الحاكمة (الطرابلسية) وعلى الحكم الفردي المطلق. واعتُبر هذان العنصران السببان الرئيسيان للأزمة. فكانت الثورة وكان هروب/سقوط بن علي ونظامه الفاشي.
بعد انتخابات المجلس التأسيسي تشكلت الحكومات الواحدة تلو الثانية وتعددت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مشهد جديد يوحي بأن هناك تعددية سياسية وفكرية وأن هناك ديمقراطية مكنت مختلف فئات الشعب التونسي من التعبير عن نفسها ومطالبها بأشكال متعددة وأتيحت لها فرص تأثيث الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات، لكن الاستجابة كانت ضعيفة ولا تفي بالحاجة من طرف مختلف الحكومات.
ولئن تباطأ خط سير الأزمة العامة وخاصة الاقتصادية والاجتماعية إلا أنه لم يتوقف بل تواصل في اتجاه مزيد التعمق وكان الجواب المباشر انقلاب 25 جويلية 2021 تحت شعار تصحيح المسار.
لكن ما حدث فعليا ليس تصحيحا للمسار ومعالجة للأزمة بل تطور نسق استفحال الأزمة التي توسعت لتمس الغذاء والدواء ومياه الشرب والكهرباء والغاز والأسعار والقدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة والفقر كما لم يحصل في السابق. مما دفع المواطنين الى الاحتجاج في أكثر من مكان وقطاع وفي أكثر من قرية وبلدة. وبات الشارع التونسي على قناعة بأن الأزمة وصلت ذروتها ولم يعد هناك من حلول على أيدي هذه المنظومة.
إن تعدد منظومات الحكم وتنوع الحكومات والوجوه في السلطة لم يأت بالحلول المرجوة ولم يساعد على معالجة الأزمة. وهنا يطرح التساؤل الأهم حول الأسباب الحقيقية للأزمة لأنه من دون تشخيص موضوعي وعلمي للأسباب لا يمكن إيجاد الدواء المناسب.
الأسباب الجوهرية للأزمة
إن الخيط الرابط بين مختلف المنظومات التي مرت على حكم تونس بدءا بالدساترة والتجمعيين وانتهاء بالشعبوية اليمينية الاستبدادية مرورا بالنهضة ونداء تونس وتحيا تونس وكل التشكيلات المتحالفة معها يتمثل في خياراتها الاقتصادية والاجتماعية المُملاة من الدوائر المالية العالمية صاحبة الكلمة الفصل في هذه الخيارات التي تفرضها على الدول التابعة لمزيد ربط اقتصادياتها بالاقتصاد الرأسمالي العالمي وتحقيق أرباح هائلة.
إن الأزمات الدورية، أزمات فائض الإنتاج، التي تعيشها دول المركز الرأسمالي تنعكس بأكثر عمقا وحدّة على الدول التابعة مثل تونس التي سعت من خلال السياسات المتبعة والميزانيات وقوانين المالية التي اتخذتها الى خدمة مصالح كبار الرأسماليين المحليين وكبرى الشركات الأجنبية المنتصبة في بلادنا مقابل وتائر عمل مضنية وأجور بؤس وظروف شغلية سيئة للعمال التونسيين.
إن الاقتصاد الريعي التبعي الذي اتبعته منظومات الحكم المختلفة لا يعير اهتماما للخدمات الأساسية من تعليم وصحة وثقافة وخدمات بيئية لأنه يتعامل معها لا من زاوية الحقوق الأساسية والاجتماعية الواجب توفيرها بل من زاوية كلفتها المادية وتأثيرها على التوازنات المالية.
زمن المسار الثوري وفي خضم الاحتجاجات الشعبية العارمة أتيحت الفرصة أمام الشباب لفرض حقه في الشغل ولو لفترة معينة وبنسب محدودة، وساهمت التحركات العمالية في فرض بعض المطالب/المكاسب النقابية وأتيحت فرص تطوير الخدمات الصحية والثقافية والبلدية… لكن اختلال موازين القوى لصالح قوى اليمين الحاكم حالت دون قلب الأوضاع جذريا لصالح الأغلبية الشعبية من عمال وفلاحين وشباب ونساء ومثقفين ومبدعين. لقد وقع الاكتفاء ببعض الإصلاحات الجزئية والشكلية التي سيقع التراجع عنها تباعا مع مرور الوقت.
إن موازين القوى الطبقية ظلت على الدوام مختلة لصالح القوى اليمينية المعبرة سياسيا عن مصالح البورجوازية الكبيرة العميلة، لذلك استطاعت أن تواصل في انتهاج خيارات لاوطنية ولاشعبية بدعم من القوى الاستعمارية ومؤسساتها المالية النهابة وبدعم أيضا من القوى الإقليمية التي تستثمر في تونس في قطاعات مدرّة للأرباح والتي ليست لها مصلحة في انقلاب الأوضاع ضد مصالحها.
الأزمة مرتبطة إذا بدولة الاستعمار الجديد وبخياراتها اللاوطنية واللاشعبية وبالسياسات المتبعة التي لا علاقة لها بمصالح الشعب. ولو استمر بن علي أو النهضة أو النداء… على رأس السلطة إلى اليوم لشاهدنا وعشنا نفس المستوى من الأزمة التي يعيشها الشعب التونسي الأشهر الأخيرة. ليس لتخفيف المسؤولية على الشعبوية اليمينية الاستبدادية التي تتحمل كامل المسؤولية فيما يحصل ولكن تحديدا للأسباب الجوهرية للأزمة حتى لا يُضيع التونسيات والتونسيون البوصلة وحتى لا يلدغوا من نفس الجحر مرتين.
إن الخيارات البديلة، الوطنية والديمقراطية والشعبية، التي تستجيب لانتظارات الأغلبية الشعبية وتكرس السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الأوسع، أي الديمقراطية التي تمكن الشعب بكل طبقاته وفئاته من أن يقود الدولة ويصبح صاحب السلطة الفعلية، هي القادرة على قلب الخيارات العامة للدولة من خيارات خادمة حصريا لمصالح الأقليات الثرية الى خيارات في خدمة الأغلبية الشعبية.
فهل ستفلح قوى الثورة والتغيير الجذري وكل القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية هذه المرة في تنظيم صفوفها وتعبئة الشارع لفرض الخيارات المناسبة التي تتوافق مع مصالح/مطالب الأغلبية الشعبية أم أن التاريخ سيعيد نفسه في شكل مهزلة؟
صوت الشعب صوت الحقيقة
